السنة الثانية من الانتفاضة
الصمت في مواجهة المجازر

مقدمة:

دخلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية اليوم، الأحد الموافق التاسع والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 2002، سنتها الثالثة. ورغم جرائم الحرب، والانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين منذ بداية الانتفاضة، والتي تصاعدت حدتها في السنة الثانية، وبشكل غير مسبوق منذ احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس الشرقية، وقطاع غزة في أعقاب الرابع من حزيران (يونيو) 1967، إلا أن مؤامرة الصمت الدولي استمرت خلال العام الثاني، وبشكل مريب. ولم يرتقِ، حتى الاحتجاج اللفظي من قبل دول العالم على الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، إلى درجة التقارب مع جسامة الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية التي أخذت خلال هذا العام أبعاداً خطيرة، وغير مسبوقة. وكانت ظاهرة مؤامرة الصمت الدولي تلك عامل تشجيع للحكومة الإسرائيلية للمضي قدماً في اقتراف جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين، وعلى نطاق واسع، في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. وترافقت تلك الجرائم مع ظاهرة الصمت الدولي والموقف الرسمي الأميركي المؤيد، وبشكل أعمى، لكافة الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، في تحدٍ سافرٍ من قبل الدولة الأعظم في العالم للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني.

مع دخول الانتفاضة سنتها الثانية، كانت سبعة شهور تقريباً قد مرت على تسلم حكومة أريئيل شارون اليمينية المتطرفة مقاليد الحكم في إسرائيل. وحملت تلك الشهور السبعة تصعيداً في الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، إلا أن ذلك التصعيد، في تلك الشهور السبعة، لم يصل إلى درجة جرائم الحرب التي اقترفتها قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية خلال العام الثاني للانتفاضة، لا من حيث الشكل، ولا الحجم أيضاً.

لقد شهد العام الثاني للانتفاضة، ومنذ بدايته، تصعيداً خطيراً في أشكال العدوان الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، وضد مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية، بشكل ترجم الرؤى السياسية للحكومة الإسرائيلية الحالية القائمة على فلسفة نفي الآخر. فمع بداية هذا العام، كانت الرؤى الأميركية لمرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) حول "محاربة الإرهاب" قد تبلورت واكتملت، وشاعت في أوساط دول العالم، شعوباً وحكومات، وإن لم تجد من يعارضها من قبل معظم دول العالم، إلا أنها وجدت من التقطها، وتبناها وروج لها، واتخذها ذريعة لاقتراف جرائمه، مستمداً منها "شرعية" لأفعاله، ودعماً منقطع النظير من قبل واضعي هذه الرؤى، حكومة الولايات المتحدة الأميركية.

بعد دخول الانتفاضة الفلسطينية عامها الثاني بثلاثة أسابيع، وتحديداً في السابع عشر من تشرين أول (أكتوبر) عام 2001، اغتيل وزير السياحة الإسرائيلي، وزعيم حزب "موليدت" الإسرائيلي المتطرف، رحبعام زئيفي، في أحد فنادق القدس العربية المحتلة. ومنذ تلك الحادثة، التي أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مسئوليتها عنها، انتقاماً لاغتيال الأمين العام للجبهة، الشهيد أبو علي مصطفى، نسجت الحكومة الإسرائيلية سلسلة من الذرائع لتبرير جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين. وساعدها في ذلك ما أشاعته الإدارة الأميركية من أجواء "الحرب على الإرهاب". لقد أعطى شارون لنفسه "الحق" الذي أعطاه الرئيس الأميركي، جورج دبليو بوش، لنفسه في شن حرب على أفغانستان، ليشن الأول حربَ تدمير مفتوحة على الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية، كان أشد فصولها خطورة اجتياح المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وإعادة احتلالها بالكامل، وتدمير البنية التحتية فيها، وشل حركة السلطة الوطنية وكافة مؤسساتها، فضلاً عن شل حركة المواطنين الفلسطينيين بشكل شبه كامل. وفي الحالتين كانت حقوق الإنسان هي الضحية.

بعد مرور أقل من أربع وعشرين ساعة على مقتل زئيفي، وتحديداً في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس الموافق 18/10/2001، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في شن حرب واسعة النطاق ضد المناطق الخاضعة للسيادة الوطنية الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) عام 1993، وما تبعه من اتفاقيات أخرى متفرعة عنه. وخلال تلك الأيام أقدمت القوات العسكرية الإسرائيلية على إعادة احتلال أجزاء كبيرة من ست مدن خاضعة للسيادة الفلسطينية، وهي مدن: بيت لحم، بيت جالا، البيرة، جنين، طولكرم وقلقيلية، إضافة إلى إعادة احتلال مخيمي عايدة والعزة في محافظة بيت لحم، وبلدة بيت ريما في محافظة رام الله والبيرة. واستخدمت قوات الاحتلال قواتها الحربية من المدافع والصواريخ والطائرات المقاتلة المتطورة، والطائرات المروحية الهجومية والدبابات والعربات المدرعة وقوات المشاة والقوات الخاصة في عدوانها الجديد على الشعب الفلسطيني.

وبعد حوالي أربعة أشهر، شنت قوات الاحتلال حرباً واسعة النطاق على المخيمات الفلسطينية، بدأتها في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس الموافق 28/2/2002 في مخيم بلاطة، شرقي مدينة نابلس، ، ثم أعقبتها بشن حرب على كافة المخيمات الفلسطينية. واعتبرت تلك الأيام من أكثر أيام الانتفاضة دموية منذ بدايتها. وشهدت ساعاتُها، بل ودقائقُها، حالةَ نزفٍ مستمرةٍ لشلال الدم الفلسطيني الذي تدفق نتيجة إعمال آلة الحرب الإسرائيلية في أجساد المدنيين الفلسطينيين، وبدون تمييز. وقد أستشهد في حرب المخيمات في الضفة الغربية لوحدها ثلاثة وخمسون مواطناً، معظمهم من المدنيين.

أثناء شنه "الحرب على المخيمات" أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون، في يوم الأربعاء الموافق 6/3/2002، بأنه "يجب أن نضرب الفلسطينيين، وأن تكون الضربة مؤلمة، ويجب أن نوقع خسائر وضحايا حتى يدفعون ثمنا باهظا". وإنْ مرت هذه التصريحات الدموية مرورَ الكرامِ على مسامع قادة دول العالم، وهيئة الأمم المتحدة، إلا أن شارون، الذي لم يُنْسِهِ عملُه السياسيُ تاريخَه الحافلَ باقتراف المجازر ضد المدنيين الفلسطينيين، عندما كان جنرالاً في جيش الاحتلال. ففي جنح الظلام، أرسل الجنرال "فرق الموت" إلى قرية خزاعة، شرقي خان يونس، لتقتيل الفلسطينيين، في واحدة من أبشع المجازر التي اقترفها منذ توليه سدة الحكم في إسرائيل. واستيقظ الفلسطينيون في ساعات صباح يوم الجمعة الموافق 8/3/2002، على سماع نبأ استشهاد ستة عشر من أبنائهم في تلك الليلة. ويبدو أن حصة الدم التي أخذها شارون، وجنرالات جيشه لم تَكْفِهِم، فأطلقوا في جنح ليل الاثنين الموافق 11/3/2002، فرقَ الموت أيضاً إلى مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، شمالي قطاع غزة، هذه المرة، لينام الفلسطينيون على حسرة استشهاد ستة عشر من أبنائهم. وفي المجزرتين اللتين ذكرتا الجنرال بصورته الحقيقية، منع القتلة سيارات الإسعاف، وحتى المواطنين، من تقديم العون للجرحى، وتركوهم يئنون وينزفون حتى الموت. ومَنْ شاء من المواطنين الفلسطينيين أن تثكله أمُه في هاتين المجزرتين، هرع لنجدة أبيه أو أخيه أو جاره، فالتحق الابن بأبيه الشهيد، والأخ بأخيه الشهيد، والجار بجاره الشهيد.

واستمراراً للحرب التي شنتها ضد المخيمات الفلسطينية، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في ساعات فجر يوم الجمعة الموافق 29/3/2002، بشن حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية، باجتياح مدينتي رام الله والبيرة، ومحاصرة مقر الرئاسة فيها. وفي ساعات صباح الهجوم، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية رسمياً عن بدء الحرب ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، واستدعى بموجب ذلك عشرين ألف ضابط وجندي من قوات الاحتياط للمشاركة فيها، وزج مئات الدبابات وناقلات الجند المدرعة لاجتياح المدن الفلسطينية. وتزامن اجتياح مدينتي رام الله والبيرة مع اجتياح مدينة بيت لحم، وفرض حصار عسكري إسرائيلي محكم على كنيسة المهد، واحتجاز ما يزيد عن مائتين وخمسين مدنياً فلسطينيا، ورجل دين مسيحياً داخل الكنيسة، زعمت قوات الاحتلال أن بينهم عدد من المسلحين والمطلوبين لها. وبعد أيام من اجتياح مدينتي رام الله وبيت لحم، امتدت الحرب الإسرائيلية لتطال كافة المدن الفلسطينية في الضفة الغربية. وخلال هذه الحرب، اقترفت قوات الاحتلال جرائم حرب في مخيم جنين وفي البلدة القديمة من مدينة نابلس.

خلال هذه الفترة، عقدت السلطة الوطنية الفلسطينية اتفاقين برعاية أوروبية ـ أميركية شكلا انتهاكاً لحقوق الإنسان. كان الأول في ساعات مساء يوم الأربعاء الموافق 1/5/2002، وقضى بنقل أربعة من المحكومين الفلسطينيين على خلفية مقتل وزير السياحة الإسرائيلي السابق، رحبعام زئيفي، واثنين من الموقوفين، وهما أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفؤاد الشوبكي الذي تتهمه قوات الاحتلال بأنه يقف وراء تمويل سفينة الأسلحة التي تزعم قوات الاحتلال أنها استولت عليها في المياه الدولية بالبحر الأحمر، وذلك من مقر الرئاسة إلى سجن أريحا، تحت حراسة أميركية وبريطانية. وبمقتضى هذا الاتفاق، انسحبت قوات الاحتلال في الساعات الأولى من فجر يوم الخميس الموافق 2/5/2002من محيط مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، ورفعت الحصار الذي فرضته على الرئيس الفلسطيني. وأما الثاني فجاء بعد ستة أسابيع من حصار الكنيسة، واحتجاز مائة وعشرين مواطناً فلسطينياً في داخلها، زعمت قوات الاحتلال أن عدداً منهم مطلوب لها. ففي خطوة غير مسبوقة منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل في الثالث عشر من شهر أيلول (سبتمبر) 1993، أبرمت السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، بمشاركة دول الاتحاد الأوروبي، اتفاقاً تم بموجبه إبعاد ثلاثة عشر فلسطينياً من المحتجزين في الكنيسة إلى عدة دول أوروبية. وفي وقت متزامن تم أيضاً إخلاء ستة وعشرين مواطناً فلسطينياً آخرين من الكنيسة، وإبعادهم إلى قطاع غزة، وذلك قبل ساعات من إخلاء سبيل أربعة وثمانين مدنياً فلسطينياً آخرين كانوا محاصرين في الكنيسة.

وفي مشهد إنساني غاية في الإيلام، وفي سابقة خطيرة هي الأولى من نوعها منذ بداية الانتفاضة أيضاً، لم تُمَكِن قوات الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين من دفن جثث شهدائهم بما يليق بهم، وتركت عشرات الجثث في مشارح المستشفيات في مدن رام الله، نابلس، جنين لعدة أيام، مما أضطر إدارات هذه المستشفيات وعدد قليل من المواطنين الذين كانوا ينتهزون برهة رفع حظر التجول ساعات قليلة ، إلى حفر قبور جماعية لدفن الشهداء الذين تكدست جثثهم في المشارح، وذلك في غياب زوجاتهم وأعزائهم.

وتزامنت هذه الأحداث مع تشكيل الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، لجنة لتقصي الحقائق حول جرائم الحرب التي اقترفتها قوات الاحتلال في الأراضي المحتلة، وخاصة في مخيم جنين والبلدة القديمة من مدينة نابلس. وضمت اللجنة أربعة أعضاء على رأسها مارتي أهتيسري، الرئيس السابق لفينلندة، وساداقوا أوغاتا، ممثل سابق في الأمم المتحدة في موضوع اللاجئين، وكورنيليو سوماروغا، الرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الأحمر، والجنرال الأميركي، ناش. إلا أن الحكومة الإسرائيلية رفضت في البداية التعاون مع هذه اللجنة. وفي خطوة مساومة هدفت من ورائها إلى توفير حصانة لقادتها السياسيين والعسكريين، طلبت الحكومة الإسرائيلية من مجلس الأمن تعهداً يقضي بعدم تقديم أي من قادتها السياسيين والعسكريين إلى محكمة جنائية دولية على خلفية ما حدث في مخيم جنين. ودخل الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، في سلسلة من المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية التي وضعت شروطاً تعجيزية إضافية أمام عمل اللجنة، منها طلبها إضافة أعضاء جدد ممن يتبنون وجهة نظرها. وتراجعت الحكومة الإسرائيلية يوم الثلاثاء الموافق 23/4/2002 عن موافقتها على قدوم لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة. وجاء القرار بهذا الخصوص في أعقاب جلسة عقدها رئيس الحكومة، أريئيل شارون، في مكتبه، بمشاركة ممثلين عن وزارة الخارجية، ووزارة الحرب ومكتب رئيس الحكومة. وذكر رئيس الحكومة الإسرائيلية، خلال جلسة "لجنة الخارجية والأمن" في الكنيست الإسرائيلي، والتي عقدت يوم الاثنين الموافق 22/4/2002، إنه يتخوف من نتائج التحقيق، لكنه استرسل قائلا "لو رفضت إسرائيل هذه اللجنة ربما كانت سترسل إلى المنطقة لجنة من قبل مجلس الأمن". وبدلاً من قيام الأمين العام بالطلب من مجلس الأمن بفرض عقوبات على إسرائيل، فاجأ العالم وأعلن عن حل اللجنة.

وفي يوم الخميس الموافق 1/8/2002، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، ، تقريراً حول الأراضي المحتلة، وكان من المفترض أن يتناول التقرير الجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في مخيم جنين والبلدة القديمة من مدينة نابلس، إلا أن التقرير جاء مخيباً للآمال، ومنقوصاً، ولم يقدم أي نتائج موضوعية أو توصيات. كما أنه تعمد تجاهل الحقائق والأدلة التي قُدِمَت له من قبل منظمات حقوق الإنسان المحلية، وتقارير المنظمات الدولية التي صدرت حول هذه الجرائم. وقد ووجه هذا التقرير بانتقادات علنية حادة من قبل منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية التي وصفته بأنه يشكل مكافأة وحماية للقتلة.

ولعل أخطر ما ورد في التقرير تبني الأمين العام للأمم المتحدة للادعاءات والمزاعم الإسرائيلية حول أهداف العمليات الحربية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وخاصة في مخيم جنين، حيث ادعت إسرائيل أن هدف هذه العمليات ينصب حول ما تسميه ضرب البنية التحتية لـ "الإرهاب الفلسطيني" في حين تجاهل التقرير كلياً الجرائم والمخالفات الجسيمة التي تقترفها قوات الاحتلال في كافة الأراضي المحتلة، في الضفة الغربية، ومدينة القدس المحتلة، وقطاع غزة.

ففي الوقت الذي أعطى به الأمين العام للأمم المتحدة، في تقريره المذكور، شرعية للانتهاكات الجسيمة والجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، فإنه تراجع عن ما ورد في تقريره الصادر بتاريخ 12/3/2002، والذي أكد فيه على عدم مشروعية ما تقوم به قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة فيما يتعلق بالاستيطان وضم أراضي الغير، إذْ أن قوات الاحتلال لا تزال تحتل المناطق الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية. كما أنه تجاهل أيضاً أن السبب الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة هو استمرار الاحتلال.

وفي الوقت الذي وصف فيه الأمين العام للأمم المتحدة العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون بأنها عمليات "إرهابية" إلا أنه تجاهل إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين. إن تجاهل الأمين العام للأمم المتحدة للأدلة والثوابت التي قُدِّمَتْ له في تقارير أعدتها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، والمنظمات والوكالات الدولية، حول الانتهاكات الجسيمة والجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين، خلافاً لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب لعام 1949، يُعَدُ مخالفة للمبادئ التي تقوم عليها هيئة الأمم المتحدة. لقد تجاهل التقرير اقتراف قوات الاحتلال الإسرائيلي لأعمال القتل خارج نطاق القضاء، أو استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، أو الاستخدام المفرط للقوة المسلحة، وحملات الاعتقال التعسفية الجماعية، والترحيل الجماعي القسري للسكان المدنيين، والتعذيب، وحرمان المدنيين من حقهم في العلاج، وحرمان الجرحى من المدنيين والمقاتلين الفلسطينيين من إنقاذ أرواحهم، وتركهم ينزفون حتى الموت. كما وتجاهل أيضاً أعمال التدمير المتعمد للبنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية والمنشآت المدنية ومراكز ومقرات المنظمات الأهلية والتعرض للصحفيين والأطقم الطبية، وتدمير شبكات الخدمات العامة من كهرباء ومياه واتصالات.

لقد مارست قوات الاحتلال الإسرائيلي كافة الإجراءات التعسفية وأساليب العقاب الجماعي ضد المدنيين الفلسطينيين داخل المدن والمخيمات والقرى التي أعادت احتلالها. فبالإضافة إلى أعمال القتل والقصف وتدمير المنازل والممتلكات، كانت هذه القوات تفرض نظام حظر التجوال لأيام طويلة. وشهدت مدينة نابلس أطول مدة فرض فيها منع التجوال على مدينة فلسطينية، حيث بدأ فرضه منذ تاريخ 21/6/2002، وانتهت السنة الثانية من الانتفاضة، ولم يرفع به منع التجوال عنها سوى ثمان مرات، سبع منها لمدة أربع ساعات، والثامنة لمدة اثنتي عشرة ساعة، أي ما مجموعه أربعون ساعة فقط خلال مائة يوم.

ومنذ إعادة اجتياحها للمدينة، تقوم قوات الاحتلال باقتراف سلسلة من العقوبات الجماعية ضد المواطنين، حيث تحرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية، وخاصة حقهم في الغذاء والدواء والتنقل والتعليم والعمل. وينذر الوضع في المدينة بحدوث كارثة إنسانية، إذ أصبحت المدينة تشهد شحاً في المواد الغذائية الأساسية، بما في ذلك الدقيق وحليب الأطفال. كما وأن قوات الاحتلال تمنع شاحنات نقل المواد الغذائية والخضار من الدخول إلى المدينة في ساعات رفع نظام حظر التجوال، كما وتمنع المواطنين من القرى المجاورة من دخول المدينة، وتمنع سكانها من الخروج منها. وفي ساعات رفع نظام حظر التجوال تفرض قوات الاحتلال حصاراً عسكرياً محكماً على منافذ المدينة ومخيماتها وقراها، وتقيم مواقع عسكرية لها على مشارف القرى المجاورة، وتطلق النار باتجاه أي جسم يتحرك.

وتنذر هذه الإجراءات التعسفية بزيادة معاناة المرضى من ذوي الأمراض المزمنة كمرضى القلب والفشل الكلوي والسكري والأمراض الخبيثة على مستوى شمال الضفة الغربية بأسرها، إذ أن اثنين من هذه الأمراض على الأقل، وهما الفشل الكلوي والأمراض الخبيثة، لا يعالجان إلا في المستشفى الوطني في مدينة نابلس. وأكدت مصادر طبية في المستشفى الوطني لجمعية (القانون) أن ثمانين مريضاً بالفشل الكلوي يعالجون في المستشفى، بينهم ستة وثلاثون مريضاً أخضعوا في السابق لعمليات زراعة كلى ويتوجب عليهم مراجعة المستشفى بشكل دوري، وأربعة وأربعون يجرون عمليات غسيل بواقع مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، وهم ينحدرون من كافة محافظات شمال الضفة الغربية. وأفادت هذه المصادر أن هناك عدة آلاف من المواطنين يعالجون من مرض السكري، بينهم ألف ومائتا مريض يُحقَنون بأمصال الأنسولين. وحذرت المصادر من تعرض حياة هؤلاء المرضى لخطر الموت في حال استمرار عدم تمكنهم من الوصول إلى المستشفى.

وشن رئيس هيئة الأركان العامة الجديد لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الجنرال موشيه يعلون، هجوماً سياسياً غير مسبوق على السلطة الوطنية الفلسطينية. وصرح في مؤتمر قطري مغلق للحاخامات اليهود عقد يوم الأحد الموافق 24/8/2002، ونشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية على صفحتها الإلكترونية باللغة العربية، مقتطفات منه، أنه "يتحتم على إسرائيل هزم الفلسطينيين كي تفقدهم أمل تحقيق أي إنجاز عن طريق الإرهاب". مضيفاً "إن الإرهاب الفلسطيني أصعب خطر يواجه إسرائيل لأن مكافحته تحمل طابعاً سرطانياً، والحرب ضد الفلسطينيين أخطر بكثير من الخطر العراقي".

وفي حين انتهت السنة الثانية من الانتفاضة، لا تزال معظم الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية رازحة تحت الاحتلال، باستثناء مدينة أريحا، ومدينة بيت لحم التي انسحبت منها قوات الاحتلال بتاريخ 25/8/2002، وفق اتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي جزئي عرف باسم "اتفاق غزة ـ بيت لحم أولاً".

وخلال عمليات الاجتياح والتوغل وتنفيذ جرائم الاغتيال السياسي والاعتقال، استخدمت قوات الاحتلال المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، مما حدا بسبع منظمات حقوق إنسان فلسطينية وإسرائيلية، من ضمنها جمعية (القانون)، بتقديم التماس لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، طلبت فيه إصدار قرار يلزم قوات جيش الاحتلال بعدم استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية خلال عملياتها العسكرية في الأراضي المحتلة، مثل إرغامهم على السير أمام قوة عسكرية خشية وجود عبوات ناسفة، أو عند الدخول إلى منازل يختبئ في داخلها مواطنون فلسطينيون مطلوبون لقوات الاحتلال، بما يحمله ذلك من تعريض حياتهم للخطر. وزعم أحد كبار ضباط قوات الاحتلال أن الجنود الإسرائيليين لا يرغمون المدنيين الفلسطينيين على قرع أبواب منازل المطلوبين و"إنما يطلبون منهم ذلك فقط" !! وأضاف "من الآن سنضطر لمناداة المطلوب من الخارج، وفي الحال نطلق صاروخاً إلى الشباك لكي يفهم أننا جادون، وهكذا تنخفض احتمالات خروجه حياً" !!. ويعكس هذا التصريح عمق النظرة العنصرية التي ينظر بها القادة العسكريون الإسرائيليون للمواطنين الفلسطينيين، إذ أن القتلى بالحالتين يجب أن يكونوا فلسطينيين من وجهة نظر هؤلاء القادة العسكريين.

وجاء تقديم الالتماس المذكور بعد قيام قوات الاحتلال بتاريخ 14/8/2002، باستخدام الشاب نضال تيسير أبو محسن ـ 19 عاماً من بلدة طوباس، شمالي الضفة الغربية المحتلة ـ درعاً بشرياً أثناء اقتراف جريمة اغتيال المواطن نصر خالد جرار ـ 44 عاماً من وادي برقين في محافظة جنين ـ، وهو أحد كبار المطلوبين الفلسطينيين لقوات الاحتلال الإسرائيلي على خلفية نشاطاته في الانتفاضة. وقد أستشهد أبو محسن في تلك العملية.

وعلى الرغم من إصدار المحكمة العليا الإسرائيلية بتاريخ 19/8/2002، أمراً احترازياً منعت فيه قوات الجيش الإسرائيلي من استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية خلال عملياتها العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى البت نهائياً في الالتماس، إلا أن قوات الاحتلال استمرت بالعمل في هذه السياسة التي من شأنها أن تعرض حياة المدنيين الفلسطينيين للخطر. وعند إصدارها الأمر الاحترازي، طلبت المحكمة من النيابة العامة الإسرائيلية تقديم لائحة جوابية في غضون أسبوع، إلا أن المدة انتهت قبل تقديم اللائحة. وفي يوم الثلاثاء الموافق 27/8/2002، أصدرت المحكمة قراراً مددت فيه الأمر الاحترازي لمدة خمسة أيام إضافية حتى تقدم النيابة العامة ردها على الالتماس. وقد انتهت السنة الثانية من الانتفاضة دون إصدار المحكمة قراراً نهائياً بالالتماس.

وكان من أخطر مظاهر الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال هذا العام أيضاً شروعها في تطبيق سلسلة من العقوبات الجماعية ضد أهالي منفذي العمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، ورجال المقاومة الفلسطينية الذين شاركوا، أو خططوا، لعمليات مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال والمستوطنين داخل الأراضي المحتلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتمثلت هذه العقوبات الجماعية بشن حملات اعتقال في صفوف عائلاتهم، وهدم منازلهم، وإبعاد عدد منهم من أماكن سكنهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة، خلافاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب، والبروتوكول الأول الإضافي لهذه الاتفاقية.

وشنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات اعتقال تعسفي ضد المواطنين الفلسطينيين، وحولت المئات منهم للاعتقال الإداري. وفي مشهد يعيد إلى الأذهان مشاهد معسكرات الاعتقال التي كانت إحدى علامات الحرب العالمية الثانية، الباردة والمؤلمة اقتادت قوات الاحتلال المعتقلين الفلسطينيين إلى معسكرات اعتقال. وأفاد شهود عيان أن قوات الاحتلال وشمت على أذرع بعضهم، وظهور بعضهم الآخر وشماً كالذي كان يستخدمه النازيون ضد المعتقلين من اليهود في ذلك العصر الغابر. وقد تحول معسكر "عوفر" الواقع إلى العرب من مدينة رام الله إلى معسكر اعتقال زُجَّ داخله عدة آلاف من المعتقلين الفلسطينيين قبل توزيعهم على سجون داخل إسرائيل. وأعادت قوات الاحتلال فتح سجن النقب الصحراوي الشهير بسجن "أنصار 3". ففي تاريخ 14/4/2002، أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي افتتاح معتقل كيتسعوت (أنصار 3) في صحراء النقب. وكان هذا المعتقل قد افتتح لأول مرة بتاريخ 16/3/ 1988 لمواجهة الأعداد المتزايدة للمواطنين الفلسطينيين الذين اعتقلوا خلال أحداث الانتفاضة الأولى. ويخضع المعتقل لإدارة الجيش، وليس إلى قيادة الشرطة الإسرائيلية مثل باقي السجون. والمعتقل عبارة عن مجموعة من الخيام تلفها أسلاك شائكة وأبراج مراقبة، ويعيش المعتقلون فيه في ظروف مزرية وبالغة القسوة خلافاً للمادة الخامسة وثمانين من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب، والتي تنص على وجوب إيواء الأشخاص المحميين منذ بدء اعتقالهم في مبان وأماكن تتوفر فيها كل الشروط الصحية وضمانات السلامة وتكفل الحماية الفعالة من قسوة المناخ.

ومنذ بداية الانتفاضة كان الصحافيون الفلسطينيون والأجانب هدفاً مباشراً لنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي. وخلال الانتفاضة، عملت حكومة إسرائيل، سواء كان ذلك في عهد حكم العماليين برئاسة أيهود باراك، أو الليكوديين برئاسة أريئيل شارون، على تحويل الإعلام الإسرائيلي الرسمي إلى بوق دعائي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث تبنى الإعلام الرسمي الإسرائيلي وجهة نظر قيادة جيش الاحتلال في الفعاليات الاحتجاجية السلمية الفلسطينية التي ميزت الانتفاضة في شهورها الأولى، أو في المقاومة الفلسطينية المسلحة، والتي جاءت إما للتصدي لقوات الاحتلال أثناء عمليات الاقتحام والتوغل التي كانت تقوم فيها داخل أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، أو لمهاجمة قوات الاحتلال والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو كرد فعل على الجرائم التي كانت تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين، وخاصة جرائم الاغتيال السياسي.

وفي نطاق الرقابة المشددة المفروضة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، لغرض زيادة تجندها في الحرب المعلنة على الشعب الفلسطيني، وفي أعقاب نشرها مقابلات ومعلومات وصور عن المجزرة التي اقترفتها قوات الاحتلال في مخيم جنين خلافاً لوجهة النظر الرسمية الإسرائيلية، أمر مدير سلطة البثّ في إسرائيل محرّري نشرات الأخبار والبرامج السياسية في القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي بإطلاعه يومياً على قائمة الشخصيات المزمع ظهورها على شاشة التلفزيون.

ولم تتورع قوات الاحتلال الإسرائيلي، من أجل التغطية على جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في اقتراف جرائم ضد الصحافيين الذين يقومون بواجبهم المهني، في تغطية أنباء العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. وفي حالات عديدة تعرض الصحافيون، من فلسطينيين وعرب آخرين، وأجانب لأعمال إطلاق نار مباشرة من قبل جنود الاحتلال. وأسفرت أعمال إطلاق النار على الصحفيين خلال السنة الثانية من الانتفاضة عن استشهاد ثلاثة صحافيين، بيتهما صحفيان فلسطينيان، وصحفي إيطالي.

وفي خطوة تتناقض تماماً مع المواد (16إلى 23) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، وللمادة الثانية عشرة من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والمواد (9، 10، و11) من البروتوكول الثاني، استهدفت قوات الاحتلال سيارات الإسعاف الفلسطينية بشكل واضح، وفتحت عليها النار بشكل متكرر خلال الاجتياح الإسرائيلي لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، والذي بدأ في يوم الجمعة الموافق 29/3/2002، باجتياح مدينتي رام الله والبيرة، وامتد ليطال كافة مدن الضفة الغربية.

وفي انتهاك لافت للنظر لهذه المواد، أعاق جنود الاحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد وصول سيارات الإسعاف إلى الجرحى الفلسطينيين، من مدنيين وعسكريين، وتركوهم في حالات متكررة ينزفون حتى الموت، دون تقديم أيّ مساعدة لهم لإنقاذ حياتهم. وأصدرت قوات الاحتلال قراراً بمنع سيارات الإسعاف الفلسطينية من التحرك في كافة المناطق التي شملتها عملية الاجتياح. وأكدت المصادر الطبية ومصادر الإسعاف في كافة المدن الفلسطينية أنها أبلغت بهذا القرار هاتفياً من قبل ضباط جيش الاحتلال، كل في منطقته. وأكدت أيضاً أن مستشفياتها تعرضت إما للحصار، وإما لأعمال القصف، وفي الحالتين منعت سيارات الإسعاف من مغادرة المستشفيات، أو من الوصول إليها .

فخلال الانتفاضة، كانت سيارات الإسعاف الفلسطينية هدفاً مباشراً لآلة الحرب الإسرائيلية، إلا أن ما حدث خلال عملية الاجتياح، كان تصعيداً خطيراً في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، وللبروتوكولين الملحقين بها، الموقع عليهما في العاشر من حزيران (يونيو) عام 1977. وقد تجسدت هذه الانتهاكات بإطلاق النار على سيارات الإسعاف الفلسطينية أثناء توجهها لإسعاف الجرحى وإخلائهم، ومحاصرة المستشفيات وإطلاق النار عليها، ومنع سيارات الإسعاف من إخلاء الجرحى، وتركهم ينزفون حتى الموت. وقامت بالاستيلاء على عدد من سيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية وللمستشفيات الحكومية والخاصة، واستخدامها في اقتراف جرائمها ضد المواطنين الفلسطينيين، وذلك بعد اعتقال أطقمها أو طردهم من أماكن الأحداث. وكان ما حدث في مخيم جنين يفوق التصور، إذ أن قوات الاحتلال منعت سيارات الإسعاف من دخول المخيم منذ بداية اجتياح المخيم، واستمر المنع حتى بعد إعلان قوات الاحتلال سيطرتها الكاملة عليه، بما في ذلك سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، التي أوقفت نشاطاتها في الخامس من نيسان (أبريل) 2002، احتجاجاً على الإجراءات التعسفية الإسرائيلية ضد أطقم الإسعاف والإغاثة. وفي ضوء هذه الإجراءات التعسفية قدمت جمعية (القانون)، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان عدة التماسات إلى المستشار القانوني لجيش الاحتلال الإسرائيلي والمحكمة العليا الإسرائيلية ومكتب المدعي العام الإسرائيلي بشأن هذه الأمور.

وفي شهر حزيران (يونيو) شرعت قوات الاحتلال في إقامة جدار أمني بزعم أنه سيحد من عمليات التفجير داخل حدود الخط الأخضر، وبدأت بإقامته في منطقة سالم، غربي مدينة جنين، وسوف يتجه جنوباً، حتى جنوبي مدينة طولكرم، ومن المقرر أن ينتهي العمل به مع نهاية العام الجاري. وسيعمل هذا الجدار على عزل أربع عشرة قرية فلسطينية، أو عزل أراضيها الزراعية عنها. وتزعم قوات الاحتلال أن الهدف من إقامته هو منع منفذي العمليات التفجيرية من الدخول إلى إسرائيل.

وفي أعقاب ذلك، قدمت (القانون) ـ الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة، طلباً لدى المستشار القضائي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، للاعتراض على إقامة الجدار الفاصل بين الضفة الغربية والخط الأخضر. وقُدِّمَ الاعتراض بوكالة الجمعية عن أربعة وثلاثين مواطناً من قرى: دير الغصون، شويكة، عتيل، فراسين، باقة الشرقية، وقفين، ممن سيوضع الجدار الأمني في أراضيهم، أو ممن سيعزل الجدار أراضيهم، ويحرمهم من الوصول إليها، والاستفادة من منتجاتها الزراعية. وطالبت من المستشار القضائي لجيش الاحتلال الإسرائيلي إلغاء الأوامر العسكرية الثلاثة، ذات الأرقام: ت/2002/17، ت/2002/20، ت/2002/22، التي صدرت عن قيادة جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، ونصت على وضع يد قوات الاحتلال على الأراضي التي ستشملها الأوامر العسكرية الثلاثة حتى تاريخ 31/12/2005.

وأكدت على أن هذه الأوامر مخالفة للقانون الدولي الإنساني الذي يحكم العلاقة بين الدولة المحتلة وبين المدنيين الواقعين تحت احتلالها وأراضيهم. وقال أن اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949 حرمت على الدولة المحتلة إجراء تغييرات في واقع الأراضي الخاضعة لاحتلالها. وإن ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي حالياً يتناقض بشكل أساسي مع نصوص وروح هذه الاتفاقية الدولية. كما ويتناقض مع اتفاقية لاهاي، وكذلك مع القانون الإسرائيلي نفسه. وذكر أن حكومة إسرائيل تخالف الاتفاقية الإسرائيلية ـ الفلسطينية المرحلية التي أبرمت في واشنطن في الثامن والعشرين من أيلول سبتمبر عام 1995، وخاصة المادة الحادية والثلاثين منها، والتي تنص على عدم قيام أي من الجانبين بإحداث تغييرات على الأرض من شأنها أن تجحف في حق الطرف الآخر عند التفاوض على قضايا المرحلة النهائية. والمادة السابعة عشرة التي تتحدث عن تحول الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، والمصنفة بمناطق (C) إلى السلطة الوطنية الفلسطينية تدريجياً، والمادة الحادية عشرة التي تتحدث عن الضفة الغربية كوحدة جغرافية واحدة.

وواجه باحثو جمعية (القانون) صعوبة بالغة في توثيق الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال، في مختلف مدن الضفة الغربية المحتلة، نظراً لقيام جنودها في إطلاق النار على كل جسم يتحرك. ولم تسلم مقرات منظمات حقوق الإنسان من أعمال الاقتحام، حيث اقتحمت قوات الاحتلال مكاتب الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان والبيئة (القانون) ومكتب مؤسستي (الضمير) و(الحق) في مدينة رام الله، وعبثت في محتوياتها، وسرقت بعضها، بما في ذلك أقراص كمبيوتر وملفات وكاميرات تصوير.

أنواع الأسلحة والذخائر التي استخدمتها قوات الاحتلال:ـ

استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي الأسلحة الحربية المتطورة، والتي تستخدمها الجيوش في المعارك الحربية المتكافئة، ضد المدنيين أو المسلحين الفلسطينيين. وبدأت قوات الاحتلال باستخدام الأسلحة الحربية المتطورة ضد المدنيين الفلسطينيين في وقت مبكر من الانتفاضة، وذلك عندما قصفت بالطائرات المروحية الهجومية عدداً من المقرات التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك الأهداف المدنية مثل المنشآت التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون في رام الله. واستمرت قوات الاحتلال في استخدام هذا النوع من الطائرات ضد المدنيين بشكل مباشر، وخاصة في عمليات الاغتيال السياسي (الإعدام خارج نطاق القضاء) ضد الكوادر والقيادات السياسية الفلسطينية. وخلال العام الثاني للانتفاضة، استمرت قوات الاحتلال في استخدام هذه الأسلحة الأكثر فتكاً ضد المدنيين والمسلحين الفلسطينيين، والمقار التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية. واستخدمت طائرات (F15) و (F16) ضد المواطنين وممتلكاتهم ومقار السلطة على نطاق واسع. وقد استخدم هذا الطراز من الطائرات الحربية المتطورة في عمليات اغتيال مدنيين فلسطينيين كما حدث في جريمة اغتيال الشيخ صلاح شحادة في غزة.

واستناداً إلى توثيق جمعية (القانون) فإن قوات الاحتلال استخدمت الأسلحة الحربية التالية:ـ
1. بنادق هجومية متطورة من نوع (M16) و(جاليل) مزودة بأجهزة المنظار لأهداف القنص ودقة التصويب.
2. بنادق لإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت.
3. مدافع الرشاشات الثقيلة (500 و800 ملم).
4. السيارات العسكرية المدرعة والمزودة بالرشاشات الثقيلة.
5. الدبابات الميدانية المتطورة.
6. منصات إطلاق الصواريخ (أرض ـ أرض).
7. الزوارق الحربية.
8. الطائرات المروحية الهجومية من طرازيّ (كوبرا) و(أباتشي).
9. الطائرات الحربية القتالية المتطورة من طرازيّ (F15) و (F16).

وأما الذخائر التي استخدمتها قوات الاحتلال خلال الانتفاضة، فهي كالتالي:ـ
1. قنابل الغاز المسيل للدموع، وهي ذات تركيز عالٍ جدا.
2. قنابل الصوت.
3. الأعيرة المطاطية.
4. الأعيرة المعدنية المطلية بطبقة رقيقة من المطاط.
5. الأعيرة النارية من مختلف الأحجام، بما فيها أعيرة الرشاشات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة.
6. الأعيرة النارية المتفجرة، ومنها (دمدم) المحرم دوليا.
7. أعيرة نارية ذات زعانف (فراشة ـ أجنحة).
8. القذائف الصوتية.
9. القذائف المدفعية وقذائف الدبابات شديدة الانفجار.
10. القذائف المسمارية.
11. صواريخ أرض ـ أرض، بمدى متفاوت، ومنها نوعا "لاو" و"أنيرجا".
12. صواريخ وقذائف جو ـ أرض، بما فيها قذائف زنة (2500 باوند).
13. صواريخ وقذائف أطلقت من الزوارق البحرية.

معطيات السنة الثانية من الانتفاضة:

اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال السنة الثانية للانتفاضة سلسلة من الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين، والمؤسسات المدنية والأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وفيما يلي أبرز مظاهر الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية خلال العام الثاني للانتفاضة، والممتد ما بين التاسع والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2001، وحتى الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2002:

أثبتت تحقيقات جمعية (القانون) أن جميع أنواع الأسلحة والذخائر التي استخدمتها قوات الاحتلال ضد المتظاهرين الفلسطينيين قاتلة، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع والأعيرة المعدنية المطلية بطبقة رقيقة من المطاط، حيث سقط عدد من المدنيين الفلسطينيين جراء استنشاقهم الغاز أو إصابتهم بالأعيرة المعدنية. وأثبتت التحقيقات حول حالات عديدة أن المتظاهرين الذين استنشقوا الغاز كانوا يصابون بحالات تشنج وهيجان، مما أثار شكوكاً لدى الأوساط الطبية الفلسطينية بأن الغاز المستخدم ضد المتظاهرين في هذه الحالات لم يكن من الأنواع المتعارف عليها من السابق. وتمكنت الجمعية من توثيق حالات عديدة من الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا صرعى نتيجة إصابتهم بالأعيرة المعدنية المطلية بطبقة رقيقة من المطاط. وأثبتت التحقيقات أن هذا النوع من الأعيرة إذا أُطْلِقَ من مسافة قريبة، وأصاب الرأس يصبح قاتلاً. كما وأثبتت تحقيقات الجمعية أن جنود الاحتلال كانوا يهدفون إلى إيقاع أكبر عدد من الضحايا، سواء من حيث كثافة النيران التي كانوا يطلقونها باتجاه المتظاهرين، أو أنواع الأسلحة والذخائر التي كانوا يستخدمونها، أو أماكن الإصابة في أجساد الضحايا، حيث كانت نسبة الإصابة في الأجزاء العليا من الجسم عالية جدا.

واستنادا إلى توثيق جمعية (القانون) فقد استشهد خلال العام الثاني للانتفاضة (1169) مواطناً فلسطينياً في مختلف الظروف، بينما أستشهد في العام الأول من الانتفاضة (684) مواطناً فلسطينياً، وبذلك يبلغ عدد شهداء الانتفاضة حتى نهاية العام الثاني (1753) شهيداً، وهم موزعون على النحو التالي:ـ
· مواطنون قتلوا على أيدي قوات الاحتلال والشرطة والمستوطنين (1055) في السنة الثانية و (610) في السنة الأولى، وبذلك يبلغ عدد هؤلاء الشهداء (1665) شهيداً، بينهم (7) مواطنين استشهدوا جراء اعتداءات المستوطنين، بينما استشهد (23) مواطناً على أيدي المستوطنين في السنة الأولى، وبذلك يبلغ عدد المواطنين الذين قضوا جراء اعتداء المستوطنين منذ بداية الانتفاضة (30) مواطناً.
· مواطنون قتلوا في ظروف يشتبه بضلوع قوات الاحتلال باقترافها (13) مواطناً في السنة الثانية، بينما استشهد (25) مواطناً في السنة الأولى، وبذلك يبلغ عددهم (38) مواطناً منذ بداية الانتفاضة.
· مواطنون قضوا نحبهم جراء إعاقتهم على الحواجز ( 28) مواطناً قضوا في السنة الثانية، بينما قضى (23) مواطناً في السنة الأولى، وبذلك يبلغ عددهم منذ بداية الانتفاضة (51) مواطناً.
· مواطنون قضوا أثناء تنفيذ أعمال تفجيرات (72) مواطناً في السنة الثانية، بينما قضى في السنة الأولى (27) مواطناً، وبذلك يبلغ عددهم (99) مواطناً.

وبالنسبة لصفات الشهداء، فإن توزيعهم كالتالي:
· الإناث: استشهدت في السنة الثانية للانتفاضة اثنتان وتسعون أنثى، مقابل سبع وثلاثين مواطنة استشهدن في السنة الأولى. ومن بين شهيدات السنة الثانية تسعة وستون أنثى استشهدن على أيدي قوات الاحتلال والشرطة والمستوطنين، وست في ظروف غامضة، وثلاث عشرة بسبب إعاقتهن على الحواجز، وأربع قضين في عمليات تفجيرية. وبذلك يبلغ عدد شهيدات الانتفاضة مائة وتسع وعشرين، من بينهن ست وتسعون قضين على أيدي قوات الاحتلال والشرطة والمستوطنين.
· الأطفال: استشهد (225) مواطناً ممن بلغوا الثامنة عشرة فما دون خلال السنة الثانية للانتفاضة، مقابل (175) طفلاً في السنة الثانية. ومن بين شهداء السنة الثانية (201) طفل قتلوا على أيدي قوات الاحتلال والشرطة والمستوطنين، و(4) استشهدوا في ظروف غامضة، و(5) جراء إعاقتهم على الحواجز، و (15) طفلاً قضوا في عمليات تفجيرية. وبذلك يبلغ عدد الشهداء من الأطفال خلال الانتفاضة (400) طفل.
· الأطقم الطبية: استشهد سبعة من الأطباء والمسعفين ورجال الدفاع المدني في السنة الثانية من الانتفاضة مقابل عشرة في السنة الأولى، وبذلك يرتفع عددهم إلى سبعة عشر شهيداً.
· الصحفيون: استشهد ثلاثة صحفيين في السنة الثانية للانتفاضة مقابل ثلاثة صحفيين في السنة الأولى، وبذلك يرتفع عددهم إلى ستة صحفيين.
· العسكريون: استشهد (159) من أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية مقابل خمسة وتسعين في السنة الأولى، وبذلك يرتفع عدد شهداء الانتفاضة من أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية إلى (274).
· القصف: استشهد (323) مواطناً جراء القصف مقابل (162) في السنة الأولى.
· الاغتيال السياسي: بلغ عدد ضحايا جرائم الاغتيال السياسي (الإعدام خارج نطاق القضاء) التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين خلال السنة الثانية للانتفاضة مائة وثلاثة عشر شهيداً، بينهم سبعة وستون مستهدفاً وستة وأربعون غير مستهدف، في حين بلغ عددهم خلال السنة الأولى من الانتفاضة ثلاثة وخمسون شهيداً، بينهم ستة وثلاثين مستهدفاً، وسبعة عشر مواطناً غير مستهدفين. وبذلك يبلغ عدد الشهداء الذين قضوا خلال سنتي الانتفاضة مائة وخمسة وستين شهيداً، بينهم مائة وأربعة مستهدفين وثلاثة وستون غير مستهدف.

الجرحى:

خلال السنة الثانية من الانتفاضة، ووفق معلومات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني فقد بلغ عدد الجرحى (2486) جريحا أصيبوا بالأعيرة النارية والشظايا والأعيرة المعدنية المغلفة بطبقة رقيقة من المطاط، بينهم (1098) أصيبوا بالأعيرة النارية والشظايا، و(1388) أصيبوا بالأعيرة المعدنية. وخلال السنة الأولى من الانتفاضة، واستنادا إلى توثيق جمعية (القانون) فقد أصيب (10596) مواطناً بجروح مختلفة بالأعيرة النارية والمعدنية والشظايا، منهم (6722) مواطناً في الضفة الغربية، و (3874) مواطناً في قطاع غزة. هذا بالإضافة إلى عدة آلاف أصيبوا بحالات إغماء واختناق جراء استنشاقهم الغاز، أو وقوعهم أثناء التدافع في ساعات القصف وإطلاق النار أو تعرضهم للضرب على أيدي جنود الاحتلال والمستوطنين.

ويعكس عدد المصابين خلال هذا العام التحول في فعاليات الانتفاضة من وجهها المدني إلى وجهها العسكري. ويؤكد تقارب أعداد الشهداء مع أعداد الجرحى أن قوات الاحتلال كانت تهدف في أعمال القصف والتوغل وإطلاق النار إيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوف المدنيين الفلسطينيين، خاصة إذا استذكرنا أقوال رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون عندما صرح في يوم الأربعاء الموافق 6/3/2002، بأنه "يجب أن نضرب الفلسطينيين، وأن تكون الضربة مؤلمة، ويجب أن نوقع خسائر وضحايا حتى يدفعون ثمنا باهظا".

الإعدام خارج نطاق القضاء

رغم الانتقادات الدولية التي وجهت للحكومة الإسرائيلية على خلفية اعتمادها أسلوب التصفية الجسدية ضد الكوادر الميدانيين للانتفاضة، وقادتها السياسيين، استمرأت قوات الاحتلال في تنفيذ جرائم الاغتيال السياسي ضد المدنيين الفلسطينيين. ولم يخف القادة الإسرائيليون، من سياسيين وعسكريين، اتباعهم لسياسة الاستهداف المتعمد لعدد من النشيطين الفلسطينيين في الانتفاضة، بل إنهم أعلنوا تأييدهم العلني لهذه السياسة. إن القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين لم يخفوا لجوءهم إلى أسلوب التصفية الجسدية المباشرة بحق عدد من النشطين السياسيين الفلسطينيين، رغم مخالفة هذه السياسة لأحكام القانون الدولي والإنساني وقواعده. فوفق القانون الدولي، والاتفاقيات ذات الصلة، تعتبر سياسة التصفيات الجسدية (الإعدام خارج نطاق القضاء) التي نفذتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق عدد من المدنيين الفلسطينيين، مُخالِفَة بشكل صريح للمادة الثانية والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي تنص على ما يلي:

"تحظر الأطراف السامية المتعاقدة صراحة جميع التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة للأشخاص المحميين الموجودين تحت سلطتها. ولا يقتصر هذا الحظر على القتل والتعذيب والعقوبات البدنية والتشويه والتجارب الطبية والعلمية التي لا تقتضيها المعالجة للشخص المحمي وحسب، ولكنه يشمل أيضا أي أعمال وحشية أخرى، سواء قام بها وكلاء مدنيون أو وكلاء عسكريون".

كما وتعد مخالفة صريحة للمادة السابعة والسبعين من البرتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، وخاصة البند الثاني منها، والذي ينص على ما يلي:

"تحظر الأفعال التالية حالا واستقبالا في أي زمان ومكان سواء ارتكبها معتمدون مدنيون أم عسكريون:أ ـ ممارسة العنف إزاء الأشخاص المحميين أو صحتهم أو سلامتهم البدنية أو العقلية، وبوجه خاص، أولا: القتل ….إلخ". وللمادة الخامسة والثمانين من هذا البرتوكول، وخاصة للبند الثالث الذي ينص على ما يلي: "تعد الأعمال التالية، فضلا عن الانتهاكات الجسيمة المحددة بالمادة (11) بمثابة انتهاكات جسيمة لهذا البروتوكول إذا اقترفت عن عمد، مخالفة للنصوص الخاصة في هذا البروتوكول، وسببت وفاة أو أذى بالغا بالجسد أو بالصحة: (أ) جعل السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين هدفا للهجوم".

بلغ عدد ضحايا جرائم الاغتيال السياسي (الإعدام خارج نطاق القضاء) التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين خلال السنة الثانية للانتفاضة مائة وثلاثة عشر شهيداً، بينهم سبعة وستون مستهدفاً وستة وأربعون غير مستهدف، في حين بلغ عددهم خلال السنة الأولى من الانتفاضة ثلاثة وخمسون شهيداً، بينهم ستة وثلاثين مستهدفاً، وسبعة عشر مواطناً غير مستهدفين. بذلك يبلغ عدد الشهداء الذين قضوا خلال سنتي الانتفاضة مائة وخمسة وستين شهيداً، بينهم مائة وأربعة مستهدفين وثلاثة وستون غير مستهدف. وبالنسبة للوسائل التي استخدمتها قوات الاحتلال في تنفيذ عمليات الاغتيال، فقد استخدمت الطائرات الحربية المقاتلة من طراز (f16) والطائرات المروحية الهجومية من نوع "أباتشي" الأميركية الصنع في إطلاق صواريخ جو ـ أرض باتجاه الضحايا، ونصبت الكمائن أو قامت بتلغيم سيارات وأجهزة هاتف. وبلغ عدد المواطنين الذين تم اغتيالهم باستخدام الطائرات المروحية ستة عشر مواطناً مستهدفاً، إضافة إلى اثني عشر مواطناً قضوا نحبهم أثناء تنفيذ جرائم الاغتيال.

وعكست طبيعة الجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال على هذا الصعيد مدى استهتار قوات الاحتلال بأرواح المدنيين الفلسطينيين. ففي تاريخ 4/3/2002، وفي واحدة من ابشع الجرائم الموجهة ضد المدنيين الفلسطينيين، أطلقت دبابة إسرائيلية من موقعها داخل مستوطنة بسجوت، شرقي مدينة البيرة، قذيفة باتجاه سيارة مدنية فلسطينية كانت تسير على شارع عين أم الشرايط، بالقرب من مدرسة وكالة الدولية في مخيم الأمعري، مستهدفة الشيخ حسين أبو كويك، أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في محافظة رام الله، إلا أنه لم يكن في السيارة، حيث كانت تقودها زوجته في طريق عودتها برفقة أبنائها من المدرسة على منزلها. وأسفرت هذه الجريمة البشعة عن استشهاد الزوجة وأطفالها الثلاثة، وطفلين آخرين كانا في سيارة كانت تقف في المكان، وإصابة عدد كبير من السابلة، جراح أحدهم خطيرة. والشهداء هم: بشرى حسين أبو كويك ـ 38 عاما ـ، براء حسين أبو كويك ـ 14 أعوام ـ، عزيزة حسين أبو كويك ـ 17 أعوام ـ، محمد حسين أبو كويك ـ 8 أعوام ـ،عرفات إبراهيم المصري ـ 16 عاما ـ، وشيماء عماد إبراهيم المصري ـ 7 أعوام ـ.

وفي جريمة بشعة ثانية من جرائم الاغتيال السياسي التي تعكس أعلى درجات إرهاب الدولة، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي في ساعة متأخرة من مساء يوم الاثنين الموافق 22/7/2002، على اقتراف واحدة من أبشع جرائم الاغتيال السياسي وأشدها وحشية ودموية منذ بداية انتفاضة الأقصى، وذلك عندما قصفت إحدى طائراتها الحربية من طراز (f16) مبنى سكنياً يقع وسط حي مكتظ بالسكان في مدينة غزة، استهدفت اغتيال أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وأسفرت هذه الجريمة التي صادق على اقترافها رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون، ووزير حربه، بنيامين بن أليعازر، مع علمهم المسبق بوجود مدنيين داخل المبنى المستهدف، عن استشهاد خمسة عشر مدنياً فلسطينياً، بينهم ثمانية أطفال، عثر على جثامين ثلاثة منهم بعد يومين من وقوع الجريمة في أعقاب انبعاث رائحة كريهة على بعد عشرة أمتار من المبنى، وإصابة أكثر من سبعين آخرين بجراح، معظمهم من الأطفال والنساء أيضاً. وكان من بين الشهداء امرأتان وأطفالهما الخمسة، والشيخ صلاح مصطفى شحادة، الذي استهدفته الجريمة ـ وفق ما أعلنته مصادر قوات الاحتلال ـ وزوجته وابنته ومرافقه.

أعمال القصف

في إطار عدوانها الشامل ضد الشعب الفلسطيني، استخدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعلى نطاق واسع، الأسلحة الحربية المتطورة في قصف منازل المدنيين الفلسطينيين، والمقار التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية التي لا تمتلك أبسط أنوع الأسلحة الدفاعية، مثل طائراتها الحربية المقاتلة، من طرازي (F16) و (F15) التي استخدمتها في قصف مقار تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في مختلف مدن الضفة الغربية، و قطاع غزة. كما واستخدمت الطائرات المروحية الهجومية على نطاق واسع، إضافة للزوارق البحرية ومنصات الصواريخ والمدافع ومدافع الدبابات والرشاشات من مختلف الأعيرة. ووفقاً للمصادر الأمنية الفلسطينية، فإن وزن القذيفة الصاروخية الواحدة التي أطلقتها الطائرات من طراز (F16) يصل إلى 2500 رطل (باوند).

وخلال هذا العام، ارتفعت وتيرة أعمال القصف، حيث شرعت قوات الاحتلال في أعقاب اغتيال زئيفي في تدمير البنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك المؤسسات المدنية. ومع نهاية السنة الثانية من الانتفاضة، كانت قوات الاحتلال قد دمرت كافة المقار الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية. ولم يسلم من القصف والتدمير مطار غزة الدولي، ومقرات الرئاسة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وخلال السنة الثانية من الانتفاضة، ومن جراء القصف، لحقت خسائر مادية جسيمة بحوالي (4619) منزلاً ومنشأة عامة وخاصة وشبكة كهرباء ومياه ومساجد وكنائس ومقابر ومقار إعلامية وصحفية وسيارات، في حين بلغ عدد المقرات الأمنية التي تعرضت للتدمير تسعة وثلاثين مقراً في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما بلغ عدد المنازل التي لحقت بها أضرار نتيجة القصف (1673) منزلا في الضفة الغربية لوحدها خلال السنة الأولى.

وكانت الخسائر الناجمة عن القصف في السنة الثانية للانتفاضة على النحو التالي:
· منازل ومبان سكنية ـ (3371) منزلا وشقة سكنية كانت تأوي (9555) مواطناً، بينهم (1675) طفلاً.
· محلات ومنشآت تجارية ـ (294) منشأة.
· منشآت صناعية ـ (70) منشأة.
· مساجد وكنائس ـ (28) مسجداً وكنيسة.
· مقابر لدفن الموتى ـ (10) مقابر.
· فنادق ـ (11) فندقاً.
· جامعات ومعاهد ومدارس ورياض أطفال وحضانة ـ (57).
· مستشفيات ومراكز طبية وسيارات إسعاف ـ (29).
· منظمات أهلية ونقابية ـ (11) مؤسسة.
· خدمات عامة وبنوك ـ (13).
· مقار ومراكز أمنية ـ (128).
· وزارات ومؤسسات مدنية رسمية ـ (42).
· سيارات وحافلات ـ (284).
· مراكز إعلامية وصحفية ـ (44).
· منشآت وعقارات غير محددة الاستخدام ـ (80).
· محطات وشبكات كهرباء ومياه ـ (144)
· سفن وزوارق ـ (3).

واستشهد جراء أعمال القصف (323) مواطناً خلال السنة الثانية مقابل (162) في السنة الأولى.

وبلغ عدد المقرات الأمنية التي تعرضت للتدمير تسعة وثلاثين مقراً في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما بلغ عدد المنازل التي لحقت بها أضرار نتيجة القصف (1673) منزلا في الضفة الغربية لوحدها.

إعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية

في أعقاب مقتل وزير السياحة الإسرائيلي السابق وزعيم حزب "موليدت" اليميني المتطرف، رحبعام زئيفي، في السابع عشر من تشرين أول (أكتوبر) عام 2001، في أحد الفنادق الإسرائيلية بمدينة القدس العربية المحتلة، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ سلسلة من أعمال الاجتياح الشامل لعدد من المدن الفلسطينية الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، وإعادة احتلالها بالكامل. وشملت أعمال إعادة احتلال المدن في تلك الفترة مدن: بيت لحم، بيت جالا، وبيت ساحور. ومع تصاعد أعمال القمع والقتل الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، تصاعدت وتيرة أعمال التفجير التي كان ينفذها شبان وفتيان فلسطينيون داخل المدن الإسرائيلية انتقاماً لضحايا الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين. واتخذت قوات الاحتلال من هذه الأعمال ذريعة لها لاجتياح المدن الفلسطينية. وفي شهر شباط (فبراير) عام 2002، شنت قوات الاحتلال هجوماً عسكرياً شاملاً ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية. وطال هذا الهجوم الذي أطلق عليه الفلسطينيون اسم "الحرب ضد المخيمات" مخيمات: الدهيشة، العزة وعايدة في بيت لحم، الأمعري وقدورة في رام الله، بلاطة، عسكر القديم وعسكر الجديد في نابلس، طولكرم ونور شمس في طولكرم، ومخيم جنين في جنين. واستخدمت قوات الاحتلال في حربها المفتوحة تلك مئات الدبابات وناقلات الجند المدرعة وآلاف الجنود من الوحدات النظامية والاحتياط، وعشرات الطائرات المروحية. وأسفرت تلك الحرب عن استشهاد حوالي خمسين مواطناً فلسطينياً، وإصابة ما يزيد عن مائتي مواطن بجراح مختلفة، وتدمير أو/ وإلحاق أضرار مادية متفاوتة فيما لا يقل عن سبعمائة منزل سكني في هذه المخيمات.

وبعد وقت قصير من الهجوم على المخيمات، وتحديداً في التاسع والعشرين من شهر آذار (مارس) شرعت قوات الاحتلال في تنفيذ أكبر عملية عسكرية ضد الأراضي الفلسطينية منذ احتلالها لها في أعقاب الرابع من حزيران (يونيو) 1967. ففي ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة الموافق 29/3/2002، وقبل انفضاض اجتماع الحكومة الإسرائيلية، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ أوسع عملية اجتياح للمدن الفلسطينية، تقوم بها منذ احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران (يونيو) عام 1967. وبدأ هذا الاجتياح، الذي طال كافة مدن الضفة الغربية، في حوالي الساعة الثالثة وثلاثين دقيقة من فجر يوم الجمعة، 29/3/2002، عندما اجتاحت قوات عسكرية إسرائيلية، يُقَدَرُ عدُدها بمائتي دبابة ومدرعة وناقلة جند، وأعداد كبيرة من قوات المشاة والمظليين والقوات الخاصة، مدينتي رام الله والبيرة، وحاصرت مقر الرئيس ياسر عرفات، تنفيذاً لما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن حكومته اتخذت قراراً بعزل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في مكتبه. وفرضت قوات الاحتلال حصاراً عسكرياً مشدداً على مقر الرئاسة الفلسطينية. وفي الأيام اللاحقة، شنت قوات الاحتلال عمليات إعادة احتلال لكافة مدن الضفة الغربية تباعاً. ولم تخف سلطات الاحتلال نواياها في إعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. بل وأعلن عدد من القادة السياسيين الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة، أريئيل شارون، أنه يهدف من هذه العمليات القضاء على السلطة الفلسطينية.

وفي حوالي الساعة الثانية من فجر يوم الثلاثاء الموافق 2/4/2002، قامت حوالي مائتين وخمسين دبابة وآلية مدرعة، مدعومة بعدة طائرات مقاتلة من طراز ألـ F16 ومروحيات "الأباتشي" بالإغارة على جميع مناطق وأحياء مدن بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، واجتياحها من جميع المحاور والجهات، وهي تطلق نيران أسلحتها لتسهيل توغلها فيها. وما أن وصلت في حوالي الساعة الرابعة وثلاثين دقيقة كانت القوات الإسرائيلية قد سيطرت على أغلب أحياء تلك المدن، وإعادة احتلالها بالكامل. وقصفت قوات الاحتلال خلال احتلالها للمدينة الكنائس والمساجد عدة مرات. ولم تمكن قوات الاحتلال عائلة عابدة من نقل جثماني ابنها خالد إبراهيم عابدة ـ 38 عاماً ـ ووالدته، المواطنة سمية حسين عابدة ـ 60 عاماً ـ اللذين استشهدا جراء تعرض منزلهما للقصف إلى مشرحة مستشفى الحسين الحكومي في مدينة بيت جالا، أو دفنهما. وبقيت الجثتان في غرفة واحدة مع باقي سكان المنزل الذي يعج بعدد من الأطفال لعدة أيام.

وخلال عملياتها الحربية في الأراضي الفلسطينية، اقترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين، وخاصة في مخيم جنين والبلدة القديمة من مدينة نابلس. وشهدت هاتان المنطقتان انتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة. وفي أعقاب انسحاب قوات الاحتلال من مخيم جنين، أصيب عدد من المبعوثين الدوليين وممثلي لجان الإغاثة الدولة بالصدمة عندما شاهدوا الدمار الذي لحق بالمخيم. ووصفوا ما حدث بأنه أشبه بالزلزال. وقد شهد المخيم أثناء عملية اجتياحه عمليات ترحيل جماعي للاجئين القاطنين فيه. كما وشهد المخيم عمليات هدم للمنازل فوق القاطنين فيها، وكذلك جرائم إعدام ميداني بحق عدد من رجال المقاومة الذين نفذت ذخائرهم وأعلنوا استسلامهم لقوات الاحتلال. في تاريخ 19/4/2002، نقل مراسل "يديعوت احرونوت" عوفر شيلح عن أحد جنود الاحتياط الذين شاركوا في المعركة على مخيم جنين قوله إنهم تلقوا أوامر بإطلاق الرصاص على كل نافذة "وتحييط" كل بيت في المخيم سواء أطلقت منه النار أم لم تطلق. وأضاف الجندي قائلاً "قيل لنا بوضوح حطموهم وأطلقوا النار على كل شيء في المنطقة التي أطلقت عليكم النار منها ... في إحدى الليالي كنت حارساً وسمعت طفلة تبكي خلف جدار، كانت هناك بهيمية عامة سببها الخوف، صحيح أننا تعرضنا للنيران، وحتى لنيران كثيفة، ولكننا بالمقابل أبدنا مدينة".

وكان من أشد الجرائم وحشية في البلدة القديمة من نابلس قيام الجرافات الإسرائيلية بهدم منزل عائلة الشعبي فوق رؤوس القاطنين فيه. وأسفرت هذه الجريمة عن استشهاد ثمانية أفراد من عائلة واحدة. إلا أن ردود الفعل الدولية كانت دون مستوى الجرائم التي شهدها المخيم، بما في ذلك موقف مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان. وخاصة ما يتعلق بعجز مجلس الأمن عن إرغام حكومة إسرائيل على تطبيق قرارات مجل الأمن التي دعتها لسحب قواتها فوراً من الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وفي مدينة نابلس، تحولت الأماكن والمراكز التاريخية والأثرية في البلدة القديمة إلى أكوام من الركام والخراب بفعل ضربات آليات وطائرات قوات الاحتلال، ممزقة بذلك النسيج التراثي الإنساني للمدينة. وتعتبر البلدة القديمة، وخاصة حي القصبة فيها، مركزاً تاريخياً وحضارياً فريداً، حيث يحتوي على تراث ثقافي يعود إلى فترة تمتد إلى حوالي ثلاثة آلاف عام. ودمرت قوات الاحتلال مركز البلدة القديمة الذي يبلغ طوله 230 متراً ويوجد فيه آثار رومانية وبيزنطية وإسلامية، وشمل التدمير السرايا العثمانية ومبنى المحكمة العثمانية والقناطر الجنوبية التي تربط المركز التجاري للبلدة مع حي القريون. كما دمر مدخل الساحة من الجهة الشمالية التي تربطها مع خان التجار، وكذلك الشارع الذي يربط باب الساحة بالمسجد الكبير. وطال العدوان الإسرائيلي خان الوكالة عند البوابة الغربية، وهناك تدمير كلي أو جزئي للعديد من المباني السكنية، وهي مبان قديمة تعود إلى الفترة العثمانية أو المملوكية. وانتشر الدمار ليطال العديد من (المصابن)، وهي مصانع شعبية يصنع فيها الصابون النابلسي تعود أبنيتها إلى طراز معماري مملوكي وعثماني. كما وأصاب الدمار موقع المدرج الروماني في حي القريون، وهو أثر روماني بارز، ودمر كذلك ساحة التوته في حي القريون وفيها عين ماء وشاركت "اليونسكو" في ترميمها قبل سنوات وسميت باسمها. ولم تسلم الآبار الرومانية التي ترتبط بممر مائي يصل إلى عين دفنة في نابلس من الدمار الذي طال أيضاً ديراً قديماً في حي الياسمينة يتبع كنيسة قديمة تعود إلى الفترة الصليبية، ومسجد الخضرة التاريخي الذي أنشئ عام 1187. وأفاد أحد القائمين على شؤون المسجد إلى أن الدمار طال حوالي 65% من مساحة المسجد ومحتوياته.

وفي نهاية شهر حزيران (يونيو) صعدت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل غير مسبوق، من وتائر حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، حيث أعادت احتلال أجزاء كبيرة من الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وأعلنت أنها ستمضي فيها وقتاً طويلاً قد يمتد إلى ستة أشهر، إلى حين الانتهاء من العمل في بناء "الجدار الأمني" الفاصل بين أراضي الضفة الغربية والخط الأخضر. وتزامن مع تنفيذ خطة إعادة السيطرة العسكرية المطلقة على هذه الأراضي، إعلان الحكومة الإسرائيلية عن استدعاء قوات الاحتياط للخدمة العسكرية، وكذلك استدعاء ضباط "الإدارة المدنية" للخدمة، في إشارة قد تبدو واضحة إلى أن سلطات الاحتلال تسير باتجاه إعادة الأمور في الأراضي المحتلة إلى ما قبل الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) عام 1993، أي إلى ما قبل التوقيع على اتفاق أوسلو في البيت الأبيض، وتسيير الشؤون المدنية للفلسطينيين من قبل ضباط إسرائيليين. فضلاً عن إعلان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أريئيل شارون، أن قواته العسكرية ستشرع في شن حرب ضد المنظمات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، دون تحديد لطبيعة هذه الحرب.

وشهدت مدينة الخليل في هذه الفترة أعنف فصول هذه الحرب. ففي ساعات الفجر الأولى من يوم الثلاثاء الموافق 25/6/2002، اقتحمت قوة عسكرية إسرائيلية، قوامها مائة وخمسون دبابة وناقلة جند مدرعة وسيارة جيب، تساندها الطائرات المروحية، الجزء الخاضع للسيطرة الفلسطينية من مدينة الخليل، وأعادت احتلاله بالكامل، وفرضت نظام حظر التجوال على سكان المدينة. ورافق عملية الاجتياح قصف بقذائف الدبابات والرشاشات من مختلف الأعيرة، شاركت فيه الطائرات المروحية. وحاصرت قوات الاحتلال مباني المقاطعة، التي تضم مقرات ومكاتب الأجهزة الأمنية والشرطة والمحافظة، وشرعت في قصفه بقذائف الدبابات والرشاشات الثقيلة على مدار عدة أيام لإجبار عدد من المتحصنين داخل المبنى على الاستسلام. وشاركت الطائرات المروحية في أعمال القصف. ورغم قيام وزير الرياضة السابق، طلال سدر، بدخول مبنى المقاطعة، وتأكيده على خلوه تماماً من أي إنسان، إلا أن قوات الاحتلال قامت بتدمير المبنى تدميراً كاملاً، دون اكتراثها بمصير المواطنين الفلسطينيين الذين كانت تزعم أنهم يتحصنون في داخله.

وبعد وقوع العملية التفجيرية في مدينة تل أبيب ظهر يوم الخميس الموافق 19/9/2002، بعدة ساعات، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على فرض حصار عسكري مشدد حول مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله، وهدم وتفجير كافة المباني المحيطة بالمقر، والتي تستخدم مكاتب ومضاجع لأفراد حرس الرئاسة والأجهزة الأمنية، وتجريف الطرق المؤدية إليه. وبدأت هذه العملية في حوالي الساعة السادسة من مساء يوم الخميس الموافق 19/9/2002، عندما اندفع رتل من الدبابات وناقلات الجند المدرعة، يقدر بعشرين دبابة وناقلة، وعدة سيارات جيب، تساندها الطائرات المروحية، وترافقها جرافات عسكرية ضخمة، باتجاه مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله. وفرضت هذه القوات على الفور حصاراً عسكرياً مشدداً على المقر. وفي صباح يوم الثلاثاء الموافق 24/9/2002، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يدين إسرائيل. وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على القرار. ودعا مجلس الأمن إسرائيل إلى رفع الحصار المفروض على رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ياسر عرفات، فوراً، والتوقف عن تدمير المنشآت، والانسحاب بأسرع وقت ممكن إلى المواقع التي رابطت بها قوات الجيش الإسرائيلي قبل اندلاع الانتفاضة الأخيرة. إلا أن الحكومة الإسرائيلية رفضت تطبيق هذا القرار. وقد انتهت السنة الثانية من الانتفاضة وما زالت قوات الاحتلال تفرض حصارها العسكري المشدد على مقر الرئاسة في رام الله.

الاعتداء على أطقم الإسعاف ورجال المهمات الطبية

في خطوة تتناقض تماماً مع المواد (16إلى 23) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، وللمادة الثانية عشرة من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والمواد (9، 10، و11) من البروتوكول الثاني، استهدفت قوات الاحتلال سيارات الإسعاف الفلسطينية بشكل واضح، وفتحت عليها النار بشكل متكرر خلال العام الثاني للانتفاضة أيضاً. وبلغت هذه الاعتداءات ذروتها خلال الاجتياح الإسرائيلي الشامل لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، والذي بدأ في يوم الجمعة الموافق 29/3/2002، باجتياح مدينتي رام الله والبيرة، وامتد ليطال كافة مدن الضفة الغربية.

وفي انتهاك لافت للنظر لهذه المواد، أعاق جنود الاحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد وصول سيارات الإسعاف إلى الجرحى الفلسطينيين، من مدنيين وعسكريين، وتركوهم في حالات متكررة ينزفون حتى الموت، دون تقديم أيّ مساعدة لهم لإنقاذ حياتهم. وأصدرت قوات الاحتلال قراراً بمنع سيارات الإسعاف الفلسطينية من التحرك في كافة المناطق التي شملتها عملية الاجتياح. وأكدت المصادر الطبية ومصادر الإسعاف في كافة المدن الفلسطينية أنها أبلغت بهذا القرار هاتفياً من قبل ضباط جيش الاحتلال، كل في منطقته. وأكدت أيضاً أن مستشفياتها تعرضت إما للحصار، وإما لأعمال القصف، وفي الحالتين منعت سيارات الإسعاف من مغادرة المستشفيات، أو من الوصول إليها.

فخلال الانتفاضة، كانت سيارات الإسعاف الفلسطينية هدفاً مباشراً لآلة الحرب الإسرائيلية، إلا أن ما حدث خلال عملية الاجتياح، كان تصعيداً خطيراً في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، وللبروتوكولين الملحقين بها، الموقع عليهما في العاشر من حزيران (يونيو) عام 1977. وقد تجسدت هذه الانتهاكات بإطلاق النار على سيارات الإسعاف الفلسطينية أثناء توجهها لإسعاف الجرحى وإخلائهم، ومحاصرة المستشفيات وإطلاق النار عليها، ومنع سيارات الإسعاف من إخلاء الجرحى، وتركهم ينزفون حتى الموت. وقامت بالاستيلاء على عدد من سيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية والمستشفيات الحكومية والخاصة، واستخدامها في اقتراف جرائمها ضد المواطنين الفلسطينيين، وذلك بعد اعتقال أطقمها أو طردهم من أماكن الأحداث. وكان ما حدث في مخيم جنين يفوق التصور، إذ أن قوات الاحتلال منعت سيارات الإسعاف من دخول المخيم منذ بداية اجتياح المخيم، واستمر المنع حتى بعد إعلان قوات الاحتلال سيطرتها الكاملة عليه، بما في ذلك سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، التي أوقفت نشاطاتها في الخامس من نيسان (أبريل) 2002، احتجاجاً على الإجراءات التعسفية الإسرائيلية ضد أطقم الإسعاف والإغاثة.

وفي ضوء هذه الإجراءات التعسفية قدمت جمعية (القانون)، وبالتنسيق مع مؤسسة (عدالة) وغيرها من منظمات حقوق الإنسان عدة التماسات إلى المستشار القانوني لجيش الاحتلال الإسرائيلي والمحكمة العليا الإسرائيلية ومكتب المدعي العام الإسرائيلي بشأن هذه الأمور الطارئة. ففي تاريخ 4/4/2002، قدمت ثلاث التماسات، الأول بشأن الاعتداءات الإسرائيلية على مستشفى جنين الحكومي، والثاني بشأن اعتقال أربعة من طاقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، والثالث خاص بمنع الأطقم الطبية من القيام بمهامها في إسعاف الجرحى في مخيم جنين ومدينة نابلس ومخيماتها، وحرمان سيارات الإسعاف من حرية الحركة في مختلف المناطق، إضافة إلى منع دفن الشهداء بالطريقة اللائقة. وفي تاريخ 9/4/2002، قدمت الجمعية التماسا للمحكمة العليا الإسرائيلية لاستصدار قرار يمنع دفن الشهداء الفلسطينيين من مخيم جنين في مقابر جماعية.

وكان واضحاً منذ البداية أن قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأثناء تنفيذ عملياتها الحربية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية كانت تستهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المواطنين الفلسطينيين. وكان هذا الاستهداف واضحاً في مخيم جنين، أكثر من غيره، بسبب ضراوة المقاومة الفلسطينية في داخله، وسقوط عدد من جنود الاحتلال هناك، حيث أخذت المعركة الإسرائيلية ضد المخيم طابعاً انتقامياً.

وبعد إعلانها عن سيطرتها على المخيم، استمرت قوات الاحتلال في منع أطقم الصحة والإسعاف والإغاثة والصحافة من الدخول إليه. وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتاريخ 14/4/2002، أنها وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لم يتمكنا لليوم الخامس على التوالي، من دخول منطقة جنين رغم تواجدهم هناك، في انتظار ضوء أخضر من سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت اللجنة أنها حاولت، ومن خلال التنسيق مع قوات الاحتلال، إدخال خزان مياه إلى جنين نظراً لحاجة العائلات الشديدة للمياه، فيما لا يزال مهندسو بلدية جنين يحاولون إصلاح شبكة المياه رغم تهديدات قوات الاحتلال. وأكدت اللجنة أن سياراتها المحملة بمواد الإغاثة تعرضت للتفتيش من قوات الاحتلال. ولم تسمح قوات الاحتلال الإسرائيلي لأطقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واللجنة الدولية للصليب الأحمر بدخول مخيم جنين قبل ظهر يوم 15/4/2002، لإخلاء الشهداء من هناك. وبعد دخولها المخيم بوقت قصير علقت عمليات إخلاء جثث الشهداء، بسبب محاولات جيش الاحتلال فرض أوامره على الأطقم المنفذة، وتعريض حياتهم للخطر.

ومنع جنود الاحتلال الإسرائيلي المتمركزون على حاجز الجلمة، شمالي مدينة جنين، بتاريخ 17/4/2002، وفد أطباء وممرضين من داخل "الخط الأخضر" من الوصول إلى مخيم جنين، لتقديم مساعدات طبية للمواطنين المحاصرين، وفرقتهم بالقوة، مما أدى إلى إصابة ثلاثة أطباء منهم. وكان الوفد، الذي لبى نداء اللجنة القطرية للإغاثة الصحية لتقديم المساعدات للمواطنين المحاصرين في جنين ومخيمها وقراها، حملوا المعدات والمساعدات الطبية، إلا انهم لم يتمكنوا من المرور عبر حاجز الجلمة، مما دعاهم إلى الدخول عبر طرق جانبية، حيث تمكنوا من الوصول إلى قرية رمانة، التي كانت تحتضن مئات المهجرين من مخيم جنين، وبينهم العديد من الجرحى والمصابين.

وقال الدكتور منذر الشريف، وكيل وزارة الصحة الفلسطينية، أن نقل الجثث يتم بقرار من الجيش الإسرائيلي وهو الذي يملي على الأطقم أين يبحثون، وإلى أين يتوجهون. وذكر أن ثلاث فرق طبية تمكنت من دخول المخيم صباح اليوم المذكور، لنقل جثامين الشهداء إلى مستشفى جنين، ولكن جيش الاحتلال أصر على مرافقة الأطقم، وحاول أن يفرض عليهم أين يذهبون وأين يفتشون. وأشار إلى تعرض الأطقم الطبية للخطر في المخيم بسبب الأبنية الآيلة للسقوط والحطام المحيط بها، فضلاً عن صعوبة انتشال الجثث جراء تحللها.

وفي تاريخ 18/4/2002، احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي وفدين، الأول نرويجي والثاني سويسري كانا في طريقهما إلى مخيم جنين للتضامن مع سكانه، وتقديم المساعدة لهم في عمليات الإنقاذ وانتشال جثث الشهداء. وأفاد شهود عيان أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أوقفت الوفدين عند حاجز الجلمة لمدة ثلاث ساعات، ومن ثم أجبرهما على العودة أدراجهما. وفي تاريخ 19/4/2002، طالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، سلطات الاحتلال بأن تسمح لأطقم الإنقاذ من خارج إسرائيل، بالدخول إلى مخيم جنين من أجل إزالة ركام البيوت. وذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن إزالة الركام هذا، يأتي من أجل البحث عن أحياء تحت الأنقاض، ولإخلاء جثث من يعثر عليهم بعد أن فارقوا الحياة، وذلك من أجل منع انتشار الأمراض. وطالبت المنظمة الدولية أيضاً بتزويد أهالي المخيم بالماء والمواد الغذائية والأدوية على وجه السرعة.

وخلال السنة الثانية من الانتفاضة استشهد سبعة من الأطباء والمسعفين ورجال الدفاع المدني مقابل عشرة استشهدوا خلال السنة الأولى، وبذلك يرتفع عددهم إلى سبعة عشر شهيداً. وقد أصيب العشرات منهم بجراح مختلفة.

ومن الأمثلة الصارخة على استهداف قوات الاحتلال لعمل أطقم الإسعاف ورجال المهمات الطبية ما حدث يومي الخميس والجمعة الموافقين السابع والثامن من شهر آذار (مارس) 2002. ففي غضون ثماني عشرة ساعة قتلت قوات الاحتلال ثلاثة من أطقم الإسعاف ورجال المهمات الطبية، اثنان منهم في مدينة طولكرم قتلا في اقل من ساعتين، والثالث مدير مستشفى قتل في ساعات ظهر اليوم التالي، وهم:
1. ضابط الإسعاف كمال عبد الرحمن سالم ـ 35 عاماً من مخيم طولكرم ـ بعيار ناري ثقيل في البطن، أدى إلى حدوث تهتك ونزيف داخلي حاد، وأستشهد على الفور.
2. سائق السيارة المواطن إبراهيم محمد أسعد ـ 38 عاماً من مخيم نور شمس ـ أصيب بعيار ناري ثقيل في مقدمة الرأس، وأستشهد على الفور.
3. الدكتور أحمد نعمان عثمان محمود (صبيح) ـ 42 عاماً، من بلدة الخضر، وهو مدير مستشفى اليمامة ـ أصيب بعدة أعيرة نارية في رأسه وصدره

وأفاد الدكتور نضال توفيق جابر سليم ـ 27 عاماً من سكان بيت ساحور، ويعمل بمهنة طبيب عام في مستشفى اليمامة التخصصي، جنوبي مدينة بيت لحم، في تصريحه لجمعية (القانون) بما يلي:ـ

((في أعقاب اجتياح قوات الاحتلال لمدينة بيت لحم وضواحيها فجر اليوم الجمعة الموافق 8/3/2002، حاصرت الدبابات الإسرائيلية مستشفى اليمامة، الواقعة على الطريق العام بين مخيم الدهيشة ومدينة بيت لحم، وتمركزت أيضاً على طول الطريق المذكورة ومنعت تلك القوات تحرك الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف في المستشفى. كما أن المستشفى أصبحت تواجه مشكلة بسبب عدم تمكن حضور الكوادر الطبية من منازلهم إلى المستشفى، وحاجتها لبعض الأدوية والمستلزمات الطبية ووجبات الغذاء اليومية للمرضى. وبناءً عليه قمت أنا بالاتصال هاتفياً بالدكتور أحمد نعمان، مدير المستشفى ووضعته في صورة الوضع. ونظراً لعدم تمكنه من التحرك من منزله والحضور إلى المستشفى بسبب حظر التجول في المنطقة والحصار المفروض على المستشفى وعمليات إطلاق النار، اتصلت بالصليب الأحمر الدولي للتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، لتأمين حضور الدكتور نعمان إلى المستشفى ليتمكن من الإشراف على عمله، وإحضار ما أمكن من الكادر الطبي الموجود في أحياء المدينة، بعد ذلك ردت علينا ممثلة الصليب الأحمر وأخبرتنا بأنه تم الاتصال والتنسيق مع الارتباط العسكري الإسرائيلي، لتأمين تحرك مدير المستشفى واحتياجاته. وعند الساعة العاشرة صباحاً، أبلغني الجانب الإسرائيلي، بأنه يجب على الدكتور نعمان أن يلبس عند مغادرته المنزل وحضوره المستشفى قميصاً أبيض اللون، ولا يلبس فوقه أي شيء ولا يحمل معه أي شيء، وأن أقوم أنا الدكتور نضال بانتظاره على باب المستشفى بملابسي الطبية. وبناءً عليه تحرك الدكتور نعمان من منزله إلى المستشفى الساعة الثانية عشرة ظهراً، وكان الكابتن "جوي" الذي تم التنسيق معه، قد أخذ مني مسبقاً مواصفات الطبيب وسيارته ورقمها، وهذا بالفعل ما تم غادر الطبيب منزله وحضر إلى المستشفى وبعد أن مكث معنا بضع دقائق وفحص ما يلزمنا من موظفين واحتياجات، تم الاتصال من قبلي بالكابتن جوي للتأكد منه بالسماح للدكتور نعمان بالانطلاق على الشارع الرئيسي بسيارته لإحضار موظفين ومستلزمات طبية من بيت لحم، فأكد لي الكابتن استمرار السماح بذلك وضمان تنقله بسلامة، وإنه عمم على كل النقاط والآليات العسكرية في المنطقة. وبالفعل غادر د. نعمان بسيارته على الشارع نحو مدينة بيت لحم. وبعد أقل من دقيقتين سمعنا إطلاق نار، ثم فوجئنا بعودة الطبيب، وأخبرنا أنه تعرض لإطلاق نار من قبل حاجز الدبابات المتمركزة على الشارع الرئيسي في منطقة معامل (منشار نصار) اتصلت بالكابن جوي وأعلمته بذلك، فقال لي سوف افحص. وأكد انه سيتصل فوراً ويؤكد على التعميم، ثم اتصل وتحدث على هاتف د.نعمان وطلب منه مرة أخرى المغادرة والسماح بالمرور بأمان، وانطلق د.نعمان الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق بنفس الاتجاه، وبعد نحو دقيقة ونصف الدقيقة، سمعنا صوت إطلاق نار كثيف من رشاشات ثقيلة، فأصبنا بالقلق والذعر. اتصلت على بلفون د.نعمان، ولكنه لم يرد اتصلت على موظف الأشعة الذي كان من المفترض أن يمر عليه الدكتور، فأكد عدم حضوره إليه، فاتصلت على الفور بالكابتن جوي وأعلمته بعملية إطلاق النار وعدم رد زميلنا الدكتور على البلفون، وقال انه سيفحص الأمر، ثم اتصل علينا وأخبرنا أنه قام بالاتصال لإرسال سيارة إسعاف إلى المكان. وبعد ذلك ركضت أنا واثنين من الزملاء بالمستشفى نحو الشارع وتوجهنا إلى منطقة إطلاق النار. شاهدنا على بعد نحو خمسمائة متر من المستشفى، سيارة الدكتور على يسار الشارع وكانت أبوابها مفتوحة ومدمرة، كما شاهدنا سيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تحمل الدكتور وتنطلق به باتجاه مدينة بيت لحم، وكانت تقف دبابة بجانب سيارة د. نعمان. أجريت اتصالات مع مستشفى الحسين في بيت جالا والهلال الأحمر، فعلمت منهم بوفاة الدكتور احمد نعمان جراء إصابته بعدة أعيرة نارية في رأسه وصدره، أدت إلى تكسير صدره وخروج الأنسجة الدماغية من رأسه)).

الاعتداء على أطقم الصحافة والإعلام

لم تكن الأطقم الصحفية، المحلية والدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، وكذلك العاملون في مجال تقصي الحقائق من المنظمات المحلية والدولية، خارج دائرة ضحايا آلة القمع والحرب الإسرائيلية، التي تعرض لها الشعب الفلسطيني الأعزل ومؤسساته المختلفة، فالصحفيون الفلسطينيون لم يسلموا من عنف ورصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين، تماماً مثلما سبق وكان حال معظمهم خلال سنين الاحتلال الماضية.

منذ بداية الانتفاضة كان الصحافيون الفلسطينيون والأجانب هدفاً مباشراً لنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي. وخلال الانتفاضة، عملت حكومة إسرائيل، سواء أكان ذلك في عهد حكم العماليين برئاسة أيهود باراك، أو الليكوديين برئاسة أريئيل شارون، على تحويل الإعلام الإسرائيلي الرسمي إلى بوق دعائي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث تبنى الإعلام الرسمي الإسرائيلي وجهة نظر قيادة جيش الاحتلال في الفعاليات الاحتجاجية السلمية الفلسطينية التي ميزت الانتفاضة في شهورها الأولى، أو في المقاومة الفلسطينية المسلحة، والتي جاءت إما للتصدي لقوات الاحتلال أثناء عمليات الاقتحام والتوغل التي كانت تقوم فيها داخل أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، أو لمهاجمة قوات الاحتلال والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو كرد فعل على الجرائم التي كانت تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين، وخاصة جرائم الاغتيال السياسي.

وفي نطاق الرقابة المشددة المفروضة على وسائل الإعلام الإسرائيلية، لغرض زيادة تجندها في الحرب المعلنة على الشعب الفلسطيني، وفي أعقاب نشرها مقابلات ومعلومات وصور عن المجزرة التي اقترفتها قوات الاحتلال في مخيم جنين خلافاً لوجهة النظر الرسمية الإسرائيلية، أمر مدير سلطة البثّ في إسرائيل محرّري نشرات الأخبار والبرامج السياسية في القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي بإطلاعه يومياً على قائمة الشخصيات المزمع ظهورها على شاشة التلفزيون.

ولم تتورع قوات الاحتلال الإسرائيلي، من أجل التغطية على جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في اقتراف جرائم ضد الصحافيين الذين يقومون بواجبهم المهني، في تغطية أنباء العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. وفي حالات عديدة تعرض الصحافيون، من فلسطينيين وعرب آخرين، وأجانب لأعمال إطلاق نار مباشرة من قبل جنود الاحتلال. وأسفرت أعمال إطلاق النار على الصحفيين خلال السنة الثانية من الانتفاضة عن استشهاد ثلاثة صحافيين، بيتهما صحفيان فلسطينيان، وصحفي إيطالي. ولم تتورع قوات الاحتلال الإسرائيلي، من أجل التغطية على جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في اقتراف جرائم ضد الصحافيين الذين يقومون بواجبهم المهني، في تغطية أنباء العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. وفي حالات عديدة تعرض الصحافيون، من فلسطينيين وعرب آخرين، وأجانب لأعمال إطلاق نار مباشرة من قبل جنود الاحتلال. وأسفرت أعمال إطلاق النار عن إصابة العديد من هؤلاء الصحافيين.

وخلال عملية الاجتياح الشامل للأراضي الفلسطينية، والتي بدأت في التاسع والعشرين من شهر آذار (مارس) عام 2002،تعرض العديد من الصحافيين الفلسطينيين إلى الاعتقال، وقد أطلق سراح بعضهم، في حين تم تحويل آخرين للاعتقال الإداري. وتعمدت قوات الاحتلال اتخاذ خطوات للتضييق على الصحافيين الفلسطينيين، ووضع قيود على تحركاتهم أثناء قيامهم بواجبهم المهني. وشملت هذه الإجراءات كافة المدن الفلسطينية، وتمثلت بالإعلان عن كافة المناطق التي اجتاحتها مناطق عسكرية مغلقة، يحظر على الصحافيين الدخول إليها. وأبقت قوات الاحتلال على بعض المناطق، مناطق عسكرية مغلقة، حتى بعد انتهاء عملياتها العسكرية فيها، كما حدث في مخيم جنين، حيث منعت قوات الاحتلال الصحافيين من دخول المخيم، حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في المخيم بأيام. وفي إطار التعتيم الإعلامي الذي فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مخيم جنين، لمنع العالم من الاطلاع على حجم الجرائم التي اقترفتها داخل المخيم، كان الصحافيون المحليون والأجانب والذين حاولوا الوصول إلى مدينة جنين ومخيمها، هدفاً لقوات الاحتلال. ومنذ الساعات الأولى لاجتياحها مدينتي رام الله والبيرة وإعادة احتلالهما،شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي في مداهمة مقار ومكاتب ومحطات وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية في المدينتين، وذلك بهدف فرض تعتيم إعلامي على جرائمها.

أكدت المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان على حق الإنسان في حرية الرأي والعبير، ونصت المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 على أنه "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها للآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود."

ونصت المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966على أنه "لكل فرد الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى."

كما ونصت المادة التاسعة والسبعون من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب 1949 على ما يلي: "يعد الصحافيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين." وتضيف تلك المادة أن هؤلاء الصحافيون "يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات وهذا البروتوكول شريطة ألا يقوموا بأي عمل يسئ إلى وضعهم كأشخاص مدنيين."

وأكد الإعلان الصادر عن الاتحاد الدولي للصحافيين، على ضرورة احترام الحقيقة وحق الجمهور في معرفة الحقيقة والتي هي من الواجب الأول للصحفي.

وأقرت المادة التاسعة والسبعون من نفس المصدر حول تدابير حماية الصحافيين على أنه: "يعد الصحافيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين حسب المادة (50). يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات . . .". كما أن المادتين (50) و (51) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949حول حماية السكان المدنيين، تنصان على أن السكان والأشخاص المدنيين يتمتعون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية …."، وذلك يشمل الصحفي باعتباره إنساناً مدنياً ويتمتع بحقوق المدنيين.

وخلال السنة الثانية للانتفاضة، استشهد ثلاثة صحفيين، بينهم مصور صحفي إيطالي، بينما استشهد في السنة الأولى ثلاثة صحفيين أيضاً، وبذلك يرتفع عدد الشهداء من الصحفيين إلى ستة منذ بداية الانتفاضة. وقد أصيب العشرات منهم بجراح مختلفة، سواء بالأعيرة النارية أو الأعيرة المعدنية المغلفة بطبقة رقيقة من المطاط، أو جراء تعرضهم للضرب والتنكيل والمطاردات.

العقاب الجماعي

في أعقاب عمليات الاجتياح العسكري الإسرائيلي لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وجرائم الحرب التي اقترفتها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وخاصة في مخيم جنين والبلدة القديمة من مدينة نابلس، والتي راح ضحيتها، في هاتين المنطقتين فقط، حوالي مائة وثلاثين مواطناً ومواطنة، والتي مرت حتى بدون التحقيق فيها، سواء من قبل سلطات الاحتلال أو من قبل منظمات وهيئات المجتمع الدولي، شرعت هذه القوات باقتراف سلسلة من جرائم العقاب الجماعي ضد عائلات المواطنين الفلسطينيين من أهالي منفذي العمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، ورجال المقاومة الفلسطينية الذين شاركوا في تنفيذ، أو خططوا لتنفيذ، عمليات مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال والمستوطنين داخل الأراضي المحتلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى المطلوبين لها. وتمثلت هذه العقوبات الجماعية بشن حملات اعتقال في صفوف أفراد عائلاتهم، من شيوخ ونساء وأطفال، واحتجازهم بوجه غير مشروع، وهدم منازلهم، وإبعاد عدد منهم من أماكن سكناهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة. وقد تمت هذه الانتهاكات الجسيمة خلافاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المعقودة في الثاني عشر من آب / أغسطس 1949، المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة.

لم تخفِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بمستوييها السياسي والعسكري، أنها ستلجأ إلى هذا الأسلوب من العقاب الجماعي ضد عائلات المواطنين الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات تفجير داخل الخط الأخضر، أو الذين تتهمهم بالضلوع في أعمال مقاومة مسلحة ضد قواتها أو مستوطنيها في الأراضي المحتلة، بذريعة خفض مستوى هذه العمليات. وسعت هذه السلطات إلى تشريع هذه العقوبات من خلال طلبها من المستشار القضائي للحكومة، إلياكيم روبنشتاين، السماح لها بهدم منازل هذه العائلات، وإبعاد عدد من أفرادها من أماكن سكناهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة. وقد استجاب المستشار القضائي للحكومة لسلطات الاحتلال على طلبها. وزعم أنه وافق على الطلب بعد تأكده من مساعدة أفراد هذه العائلات لأبنائها. ولكن الأحداث اللاحقة دحضت هذه المزاعم، بما في ذلك قرار المحكمة العليا الإسرائيلية ذو الأبعاد السياسية الذي صدر بتاريخ 3/9/2002، وقضى بإبعاد الشقيقين انتصار وكفاح عجوري إلى قطاع غزة لمدة عامين، وإبطال قرار إبعاد المواطن عبد الناصر عصيدة.

تعد قضية عائلة الشهيد علي عجوري، الذي اغتالته قوات الاحتلال في الخامس من آب (أغسطس) 2002 نموذجاً صارخاً على الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال ضد هذه العائلات. فقد بدأت هذه القضية بتاريخ 6/6/2002 عندما اعتقلت قوات الاحتلال المواطنة انتصار عجوري ـ 34 عاماً ـ، وهي شقيقة الشهيد علي، الذي كان مطلوباً لقوات الاحتلال على خلفية نشاطاته المسلحة في الانتفاضة، كأسلوب للضغط عليه وعلى عائلته لتسليم نفسه. وتطورت هذه القضية عندما قامت قوات الاحتلال في حوالي الساعة الرابعة من فجر يوم الجمعة الموافق 19/7/2002 باقتحام منزل والده، المواطن محمد أحمد عجوري في مخيم عسكر الجديد، شرقي مدينة نابلس، وتفجير المنزل المؤلف من ثلاثة طوابق، واعتقال المواطن العجوري ـ 62 عاماً ـ وأبنائه أحمد ـ 30 عاماً ـ وكفاح ـ 28 عاماً ـ واقتيادهم إلى جهة غير معلومة. وفي تاريخ 1/8/2002، أصدر المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، إلياكيم روبنشتاين، قراراً سمح بموجبه لقوات الاحتلال بتنفيذ سلسلة من الإجراءات العقابية ضد عائلات المواطنين الفلسطينيين الذين شاركوا في تنفيذ عمليات تفجيرية داخل المدن الإسرائيلية، وعائلات المطلوبين لها. وفي أعقاب صدور هذا القرار، أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي الخاص بالشؤون السياسية والأمنية، خطة لإبعاد أفراد من عائلات المشاركين في تنفيذ عمليات التفجير وهدم منازلهم. وقررت الحكومة إبعاد كفاح عجوري إلى قطاع غزة. وفي يوم الأحد الموافق 4/8/2002، طلب جهاز الأمن العام (الشاباك) من المستشار القضائي السماح له بإبعاد انتصار عجوري إلى غزة أيضاً. وفي تاريخ 5/8/2002 أقدمت قوات الاحتلال على اقتراف جريمة اغتيال الشاب علي محمد أحمد العجوري ـ 23 عاماً ـ. وفي صباح يوم الثلاثاء الموافق 3/9/2002، ردت المحكمة العليا الإسرائيلية بتركيبتها الموسعة من تسعة قضاة، الالتماس الذي تقدمت به عدة منظمات حقوق إنسان، بوكالتها عن المواطنين الفلسطينيين كفاح وانتصار عجوري، وطلبت فيه إلغاء قرار قوات الاحتلال بإبعادهما من الضفة الغربية إلى قطاع غزة لمدة عامين، وأيدت بذلك قرار إبعادهما إلى قطاع غزة. وفي ساعات ظهر اليوم التالي، الأربعاء الموافق 4/9/2002، نفذت قوات الاحتلال القرار.

ومنذ اللحظات الأولى لاستشعار هذه السياسة، عملت جمعية (القانون)، جنباً إلى جنب مع منظمات حقوق إنسان أخرى تعمل في الأراضي المحتلة، على الاتصال بالعائلات التي تعرض عدد من أفرادها للاعتقال على خلفية نشاطات أبنائهم في أعمال تفجيرية أو مقاومة مسلحة، و/أو المطلوبين لقوات الاحتلال على هذه الخلفية. وفي أعقاب إعلان المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، إلياكيم روبنشتاين، أنه قرر السماح للحكومة القيام بهدم منازل عائلات الفلسطينيين من منفذي أعمال التفجير والمقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال، وإبعادهم إلى قطاع غزة، تقدمت عدة منظمات حقوق إنسان فلسطينية وإسرائيلية، بواسطة محاميها، بطلبات للإدعاء العام العسكري الإسرائيلي التمست فيها الكشف عن أسماء المواطنين الفلسطينيين الذين تنوي قوات الاحتلال هدم منازلهم، أو إبعادهم. وفي خطوة لاحقة، توجهت هذه المنظمات بالتماسات لدى المحكمة العليا الإسرائيلية بهدف استصدار قرار بمنع أعمال الهدم والإبعاد، إلا أن المحكمة ردت هذه الالتماسات، على الرغم من مخالفة قرارات الهدم والإبعاد للقانون، كونها تندرج في إطار العقوبات الجماعية، وعقاب أشخاص على أعمال أو مخالفات لم يرتكبوها هم شخصياً.

وتعتبر عائلة المواطن عجوري، نموذجاً صارخاً من نماذج العقاب الجماعي التي مارستها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد العائلات الفلسطينية المستهدفة، حيث اقترفت قوات الاحتلال ستة انتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة بحق هذه العائلة. إلا أن هذه الانتهاكات مرت كغيرها من الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون الفلسطينيون دون عقاب مقترفيها خلافاً للمادة (146) من الاتفاقية التي تنص على أن "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، المبينة في المادة التالية. يلتزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى محاكمة، أياً كانت جنسيتهم".

إن أعمال هدم المنازل، وعمليات الإبعاد الانتقامية التي اقترفتها قوات الاحتلال ضد عائلات الفلسطينيين جاءت خلافاً للمادة الثالثة والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949 التي نصت على عدم جواز "معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً". كما وحظرت هذه المادة أيضاً العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، وكذلك تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.

وحظرت المادة التاسعة والأربعون من الاتفاقية "النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه. ومع ذلك، يجوز لدولة الاحتلال أن تقوم بإخلاء كلي أو جزئي لمنطقة محتلة معينة، إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية". وفي قرارها القاضي بإبعاد الشقيقين عجوري، استندت المحكمة العليا الإسرائيلية إلى هذا الجزء من المادة، إلا أن أحكام هذا النص لا تنطبق على سكان دولة الاحتلال، وإنما على سكان الأراضي المحتلة، إذ أن المعني بتوفير الحماية له وفق أحكام المادة المذكورة هم سكان الأراضي المحتلة، وليسوا سكان دولة الاحتلال. وقد فسر قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية التسعة أحكام هذه المادة تفسيراً خاطئاً عندما قرروا أن الشقيقين عجوري يشكلان خطورة على حياة المواطنين الإسرائيليين، وبالتالي جاء قرار إبعادهم منسجماً مع أحكام هذه المادة. بينما تخص المادة سكان الأراضي المحتلة، وليس سكان دولة الاحتلال، كما ذكرنا.

إن المحكمة العليا الإسرائيلية لم توفر للمُتَهَمَينِ المَذكُورَينِ كافة ضمانات المحاكمة العادلة، وذلك عندما وافقت للإدعاء العسكري الإسرائيلي على رغبته في عدم تقديم بينات الاتهام ضد المواطنة انتصار عجوري علناً، بذريعة احتواء ملفها على معلومات سرية!! وخالفت المحكمة بذلك أحكام المادة الحادية والسبعين من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على عدم جواز "المحاكم المختصة التابعة لدولة الاحتلال إصدار أي حكم إلا إذا سبقته محاكمة قانونية. ويتم دون إبطاء إبلاغ أي متهم تحاكمه دولة الاحتلال كتابة وبلغة يفهمها بتفاصيل الاتهامات الموجهة إليه". كما وخالفت المحكمة أيضاً أحكام المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والتي تنص على أن "لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظراً منصفاً وعلنياً، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه". وخالفت أيضاً أحكام المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على ما يلي:
1. الناس جميعاً سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أوفي حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون ...إلخ
2. من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئاً إلى أن يثبت عليه الجرم قانوناً.
3. لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا التالية:
(أ) أن يتم إعلامه سريعاً وبالتفصيل، وفي لغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها.
(ب) أن يعطى من الوقت والتسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحامٍ يختاره بنفسه.
(ج) أن يحاكم حضوريا وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محامٍ من اختياره، وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه، وأن تزوده المحكمة حكماً، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحامٍ يدافع عنه، دون تحميله أجراً على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل لدفع هذا الأجر.
(د) أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود المحكمة.
(ه) أن يزود مجاناً بترجمان إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة.
(و) ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب.

ووفقاً لأحكام المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، فإن اعتقال الشقيقين عجوري، وحجزهما ونفيهما تعسفاً جاء مخالفاً لهذه المادة التي نصت صراحة على أنه "لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً".

ووفقاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة فإن القتل العمد والنفي أو النقل أو الحجز غير المشروع وأخذ الرهائن وتدمير الممتلكات والحرمان من الحق في محاكمة بصورة قانونية تعد من الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية. وجاء في نص المادة (147) من الاتفاقية أن "المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة أللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمّد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في الاتفاقية، وأخذ الرهائن وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق وكبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية".

واعتبرت الفقرة (هـ) من البند الرابع من المادة الخامسة والثمانين من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف "حرمان شخص تحميه الاتفاقيات من حقه في محاكمة عادلة طبقاً للأصول المرعية" من الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية. واعتبر البند الخامس من هذه المادة الانتهاكات الجسيمة بمثابة جرائم حرب.

وفي ضوء ما تقدم، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي اقترفت سلسلة من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة أثناء ممارستها سياسة العقاب الجماعي ضد عائلات المواطنين الفلسطينيين من أهالي منفذي العمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، ورجال المقاومة الفلسطينية الذين شاركوا، أو خططوا، لعمليات مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال والمستوطنين داخل الأراضي المحتلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى المطلوبين لها، بشكل عام، وضد عائلة المواطن عجوري بشكل خاص. لقد اقترفت سلطات الاحتلال ستة انتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة بحق عائلة عجوري، وتتلخص هذه الانتهاكات الجسيمة فيما يلي:
1. اخذ الرهائن: بتاريخ 6/6/2002 اعتقلت قوات الاحتلال المواطنة انتصار عجوري، وبتاريخ 19/7/2002 اعتقلت والدها وشقيقيها أحمد وكفاح، وأخذتهم كرهائن لديها للضغط على ابنهم علي عجوري، الذي كان مطلوباً لقوات الاحتلال، لتسليم نفسه.
2. الحجز غير المشروع: احتجزت قوات الاحتلال عائلة عجوري، وحولت انتصار للاعتقال الإداري، وهو اعتقال غير قانوني، يتم بموجبه تحويل المدنيين الفلسطينيين الذين لا توجه إليهم لوائح اتهام، ولا يمثلون أمام محكمة إسرائيلية، للاعتقال الإداري، وأبقت على احتجاز شقيقها كفاح رهن الاحتجاز إلى أن أبعدته إلى قطاع غزة.
3. تدمير الممتلكات: أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 19/7/2002 على هدم منزل عائلة المواطن محمد عجوري، وهو منزل مملوك لوالد المواطن علي عجوري، وليس مملوكاً له شخصياً.
4. القتل العمد: بتاريخ 5/8/2002 اغتالت قوات الاحتلال علي عجوري عندما أطلقت عليه طائرة مروحية عدة صواريخ جو ـ أرض، بينما كان متواجداً في منطقة جبلية بالقرب من بلدة جبع في محافظة جنين.
5. الحرمان من المحاكمة العادلة: لم توفر المحكمة العليا الإسرائيلية متطلبات المحاكمة العادلة للشقيقين عجوري، وبشكل خاص للمواطنة انتصار عجوري، حيث قبلت المحكمة بادعاءات النيابة العسكرية الإسرائيلية بوجود معلومات سرية في ملفها. وعادة ما تُحْجَبُ هذه المعلومات عن المتهم ومحاميه. وبذلك تخالف المحكمة أحكام المادة الحادية والسبعين من الاتفاقية التي تنص على عدم جواز "المحاكم المختصة التابعة لدولة الاحتلال إصدار أي حكم إلا إذا سبقته محاكمة قانونية. ويتم دون إبطاء إبلاغ أي متهم تحاكمه دولة الاحتلال كتابة وبلغة يفهمها بتفاصيل الاتهامات الموجهة إليه"، والفقرة (هـ) من البند الرابع من المادة الخامسة والثمانين من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف التي اعتبرت "حرمان شخص تحميه الاتفاقيات من حقه في محاكمة عادلة طبقاً للأصول المرعية" من الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية.
6. النفي غير المشروع: جاء قرار المحكمة العليا الإسرائيلية برد الالتماس الذي قدمه وكلاء المواطنين انتصار وكفاح عجوري وطالبوا فيه المحكمة إصدار قرار يقضي بإلغاء قرار إبعادهما إلى قطاع غزة، مخالفاً لأحكام المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

واستناداً إلى توثيق جمعية (القانون) فقد بلغ عدد المنازل التي تعرضت للهدم على هذه الخلفية، سواء من خلال زرع عبوات متفجرة داخلها وتفجيرها عن بعد، أو من خلال هدمها بواسطة الجرافات سبعة وثلاثون منزلاً مملوكاً للعائلات المستهدفة، تتكون من ثمانين وحدة سكنية تبلغ مساحاتها الإجمالية (12907) أمتار مربعة، كانت تأوي اثنتين وستين عائلة، يبلغ عدد أفرادها (396) فرداً بينهم (151) طفلاً، هذا فضلاً عن إصدار أوامر بإخلاء أربعة منازل بهدف إغلاق ثلاثة منها وهدم الرابع. وقد فقدت العائلات المستهدفة أربعة وعشرين شهيداً، ولها خمسة أبناء ما زالوا معتقلين على خلفية مشاركة أشقاء لهم في إحدى عمليات المقاومة، ومطلوبين لقوات الاحتلال. وبالنسبة للذرائع التي ساقتها قوات الاحتلال حول أعمال الهدم فكانت كالتالي:
a. 15 منزلاً بدعوى قيام أحد أفراد العائلة بأعمال تفجيرية داخل إسرائيل.
b. 3 منازل بدعوى قيام أحد أفراد العائلة بهجوم مسلح داخل إسرائيل.
c. 9 منازل بدعوى قيام أحد أفراد العائلة بهجوم مسلح ضد قوات الاحتلال أو المستوطنين داخل الأراضي المحتلة.
d. 6 منازل بدعوى قيام أحد أفراد العائلة بأعمال مقاومة وهو مطلوب لقوات الاحتلال على هذه الخلفية، وأحدهم تم اغتياله.
e. 4 منازل تعود لمعتقلين.

وقد أدى هدم ونسف هذه المنازل إلى تدمير ستة منازل مجاورة غير مستهدفة تدميراً كاملاً، وتدمير ثلاثة منازل تدميراً جزئياً وإلحاق أضرار جسيمة بسبعة وعشرين منزلاً. ويبلغ إجمالي مساحة هذه المنازل (3117) ويقطن في هذه المنازل أربع وعشرون عائلة قوامها (122) مواطناً بينهم اثنان وخمسون طفلاً.

الاعتقال

واصلت قوات الاحتلال وأجهزتها الاستخبارية وقواتها الخاصة عمليات اعتقال المدنيين الفلسطينيين من على الحواجز العسكرية التي تقيمها على الشوارع العامة، أو من داخل المنازل.وفي أعقاب عمليات الاجتياح التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ازدادت وتيرة عمليات الاعتقال. وفي مشهد يُذَكِرُ في حقب سوداء من تاريخ البشرية، انقضت، إلا أن ذكراها لا زالت عالقة في أذهان الإنسانية، أعادت قوات الاحتلال ذلك المشهد عندما قامت في الأسبوع الأول من شهر آذار (مارس) عام 2002، بأعمال اعتقال المئات من المواطنين الفلسطينيين، في مخيمات طولكرم، بيت لحم ورام الله، في الضفة الغربية، ووادي السلقا في قطاع غزة، وعصبت عيونهم ووضعت شارات على رؤوسهم تحمل أسماء فصائل العمل المسلح الفلسطيني، وترقيمهم بالأرقام، واقتادتهم إلى معسكرات اعتقال شبيهة بتلك المعسكرات التي أقيمت إبان الحرب العالمية الثانية. وتكرر هذا المشهد خلال عمليات الاجتياح الشامل لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث كانت قوات الاحتلال تقوم بتجميع آلاف المواطنين من الذكور في الساحات العامة، أو ساحات المدارس، وتحملهم في سيارات باص كبيرة، وتنقلهم إلى معسكرات تابعة للجيش.

وشهدت السنة الثانية للانتفاضة عمليات اعتقال عشوائي على نطاق واسع. وأعادت قوات الاحتلال العمل بأسلوب الاعتقال الإداري، حيث حولت آلاف المعتقلين للاعتقال الإداري. ومع نهاية السنة الثانية للانتفاضة، كان حوالي سبعة آلاف وخمسمائة مواطن فلسطيني محتجزين داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، فضلاً عن احتجاز أعداد منهم في معسكرات تابعة لقوات الجيش مثل معسكر "عوفر" غربي مدينة رام الله ومعسكر حوارة ومعسكر "قدوميم" في منطقة طولكرم في الضفة الغربية، جنوبي مدينة نابلس، ومعسكر "أنصار 3" جنوبي إسرائيل. هذا فضلاً عن الإفراج عن عدة آلاف بعد إجراء تحقيقات سريعة معهم. ومع نهاية السنة الأولى كانت قوات الاحتلال قد اعتقلت حوالي (1900) مواطن، وأبقت على حوالي ألف منهم رهن الاعتقال، فيما كان عدد المعتقلين الفلسطينيين قبل الانتفاضة حوالي (1650) معتقلاً. ومع نهاية السنة الثانية للانتفاضة كان حوالي (1800) معتقل إداري محتجزين في السجون ومعسكرات الاعتقال التابعة لإدارة جيش الاحتلال، بينهم (1300) معتقل إداري محتجزين في معسكري "عوفر" و"أنصار 3"، مقابل (54) معتقلاً إدارياً قبل عملية الاجتياح الشامل، و (17) معتقلاً إدارياً في نهاية السنة الأولى، وأربع معتقلين إداريين قبل اندلاع الانتفاضة. وارتفع أيضاً عدد المعتقلات الفلسطينيات من ثلاث عشرة معتقلة في نهاية السنة الأولى إلى تسع وخمسين معتقلة مع نهاية السنة الثانية. ولم يقتصر العمل بأسلوب الاعتقال الإداري على المعتقلين من الذكور فقط، بل وشمل الإناث أيضاً. وخلال هذه السنة حولت المعتقلتان تهاني حمد عيسى الطيطي ـ 2 عاماً من مخيم العروب في محافظة الخليل ـ واتصار محمد أحمد العجوري ـ 34 عاماً من مخيم عسكر الجديد في محافظة نابلس ـ للاعتقال الإداري. وبذلك تكون هاتان المعتقلتان أول معتقلتين تحولان للاعتقال الإداري منذ بداية الاحتلال.

الحصار

في السادس من شهر تشرين أول (أكتوبر) عام 2000، أي في بداية الأسبوع الثاني من انتفاضة الأقصى، فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً عسكرياً مشدداً على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وشمل هذا الحصار جملة من الإجراءات التعسفية والتي بمقتضاها أغلقت المعابر الحدودية مع الأردن ومصر، ومطار غزة الدولي، التي تربط بين الأراضي الفلسطينية والعالم الخارجي، والمعابر الحدودية مع إسرائيل، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، و"الممر الآمن" الذي كان يربط الضفة الغربية بقطاع غزة، والذي لم يكن قد بدأ العمل به إلا قبل وقت قصير من اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 2000.

ومع استمرار الانتفاضة، شرعت قوات الاحتلال في توسيع إجراءات الحصار القمعية، واضعة ما يربو على ثلاثة ملايين مواطن فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في سجن كبير. وشملت هذا الإجراءات التعسفية المبكرة وضع الحواجز العسكرية الثابتة على مداخل المدن، وإغلاق الطرق الرئيسية التي لا يسلكها المستوطنون بالمكعبات الإسمنتية والأتربة وحفر الخنادق العميقة على عرض الشوارع، محولة بذلك المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جزر معزولة بعضها عن بعض.

وفي وقت لاحق، أعادت قوات الاحتلال فتح بعض المعابر الحدودية، ووضعت عدة عراقيل أمام حركة عبور المواطنين منها، مما شكل ذلك معاناة شديدة لهم. وبعد إغلاقها لمطار غزة الدولي، والسماح لطائرات الخطوط الجوية الفلسطينية بالحركة بين فترة وأخرى، أقدمت قوات الاحتلال على تجريف مدرجات المطار، وإحداث دمار شبه شامل في منشآته، حتى بات غير مؤهل للعمل في حالة السماح للطائرات بالحركة.

وفي ضوء هذه الإجراءات القهرية، شرع المواطنون الفلسطينيون في استخدام الطرق الزراعية طرقاً بديلةً عن الطرق الرئيسية في حركتهم وتنقلاتهم اليومية، من وإلى أماكن عملهم وجامعاتهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومراكزهم العلاجية وأماكن عبادتهم. إلا أن قوات الاحتلال لم تترك هذه الطرق غير المعبدة، والتي شُقَتْ بأساليب بدائية في كثير من الأحيان، في الجبال الوعرة والوديان السحيقة، وشأنها. وعادة ما تقوم بملاحقة المواطنين الذين يسلكونها، وتطلق عليهم النار. وقد استشهد العشرات منهم أثناء سلوكهم هذه الطرق جراء إطلاق النار عليهم من قبل قوات الاحتلال، أو بسبب حرمانهم من الوصول إلى أماكن الاستشفاء، وبشكل متعمد.

لقد ترك الحصار العسكري الإسرائيلي على الأراضي المحتلة، وخاصة الحصار الداخلي الذي يدخل في إطار العقوبات الجماعية التي تفرضها قوات الاحتلال على شعب بأكمله، إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى ما يزيد عن ثماني عشرة منطقة معزولة، وقطاع غزة إلى ثلاث مناطق، ظلاله القاسية على المواطنين الفلسطينيين، وحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق. وانتهكت إجراءات الحصار عدداً من حقوق الإنسان الأساسية كالحق في الحياة والسلامة البدنية، الحق في حرية الحركة، الحق في الطعام والصحة، الحق في العمل، والحق في التعليم.

وعادة ما تتذرع سلطات الاحتلال الإسرائيلي بأن الإجراءات التي تقوم بها في الأراضي المحتلة هي لـ "ضرورات أمنية"!! ومن خلال التتبع التاريخي لهذه الإجراءات، سواء كانت مدتها تطول أو تقصر، لم تتغير هذه الذريعة، بل وأن هذه الإجراءات التي تُقَيَّدُ في سجل العقوبات الجماعية لم تحد في يوم من الأيام من أعمال المقاومة المسلحة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال أو المستوطنين في الأراضي المحتلة، أو أعمال التفجير التي ينفذها فلسطينيون داخل حدود الخط الأخضر، وإنما على العكس تماماً، حيث كانت وتيرة هذه الأعمال تتصاعد مع تصاعد إجراءات الحصار العسكري، وما يرافقها من أعمال القتل والتنكيل والقهر والحرمان المطلق التي يتعرض لها المواطنون الفلسطينيون على أيدي جنود الاحتلال. وأكد عديدون من رجال أمن إسرائيليين ومحللين سياسيين وعسكريين أن إجراءات الحصار العسكري الإسرائيلي تغذي العنف بين صفوف الفلسطينيين. ومهما كانت الذرائع الإسرائيلية التي تستند إليها لتبرير الحصار العسكري المشدد الذي تفرضه على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن الحصار وأشكاله وإجراءاته يشكل مخالفة صريحة لأحكام القانون الإنساني الدولي. خاصة إذا أضيف أيضاً إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لجأت إلى إجراءات الإغلاق والحصار حتى قبل وقوع أي عملية تفجير داخل أراضيها، كما حدث خلال الانتفاضة الأولى، وتحديداً في عام 1989 عندما حظرت على سكان قطاع غزة الخروج منه، سواء إلى داخل إسرائيل، أو إلى أراضي الضفة الغربية، وفرضت عليهم الحصول على بطاقات ممغنطة وتصاريح خروج مسبقاً.

ومما لا شك فيه أن القانون الإنساني الدولي ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بغض النظر عن الظروف السائدة. وتنص المادة الأولى من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949 على أن "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال". وبهذا فإن ذرائع وتبريرات الأمن الإسرائيلي لا تصمد أمام هذا البند، حتى وإن كانت هذه الذرائع تتعلق بوجود "حالة حرب" إذ تنص المادة الثانية من الاتفاقية على أنه "علاوة على الأحكام التي تسري في وقت السلم، تنطبق هذه الاتفاقية في حالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يعترف أحدها بحالة الحرب. تنطبق الاتفاقية أيضاً في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة. وإذا لم تكن إحدى دول النزاع طرفاً في هذه الاتفاقية، فإن دول النزاع الأطراف فيها تبقى مع ذلك ملتزمة بها في علاقاتها المتبادلة. كما أنها تلتزم بالاتفاقية إزاء الدول المذكورة إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها".

وفي إطار قرارات هيئة الأمم المتحدة التي تؤكد على الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وانطباق اتفاقية جنيف الرابعة عليها، أصدر مجلس الأمن الدولي بتاريخ 20/12/1990 قراره رقم (681) الذي أكد فيه على انطباق اتفاقية جنيف على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ودعا إسرائيل، كقوة احتلال حربي، لتطبيق الاتفاقية قانونياً على هذه الأراضي. وحاصر هذا القرار أي محاولة إسرائيلية من شأنها التملص من المسؤوليات القانونية المترتبة عليها في تطبيق الاتفاقية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تدخل الإجراءات الإسرائيلية فيما يتعلق بالحصار العسكري المفروض على الأراضي الفلسطينية، سواء الحصار الداخلي أو الخارجي، في إطار العقوبات الجماعية التي تفرضها السلطة المحتلة على الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال. إذ أن إجراءات الحصار تصيب كافة المدنيين الفلسطينيين، من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، أصحاء ومرضى، مشاركين في مقاومة الاحتلال وغير مشاركين. وتحرم المادة الثالثة والثلاثون من الاتفاقية فرض العقوبات الجماعية، وتنص على أنه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور. تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم".

إن ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من خلال فرض الحصار العسكري على الأراضي الفلسطينية لا يعدو كونه عقاباً جماعياً تطال إجراءاته كافة المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة دون استثناء، ويشكل قصاصاً من المدنيين على أفعال لم يرتكبوها، ولم يشاركوا فيها أو يخططوا لها، في مخالفة صريحة للمادة المذكورة من اتفاقية جنيف الرابعة.

لقد ترك الحصار العسكري الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة آثاراً سلبية قاسية في مختلف أوجه الحياة، وتتراوح هذه الآثار حدة بين مجال حياتي وآخر، إلا أن وجهاً واحداً من أوجه الحياة لم يكن بمنأى عن النتائج السلبية للحصار. ويبدو أن الحق في الصحة كان أحد حقوق الإنسان الأساسية الذي تم انتهاكه على نطاق واسع من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، سواء من حيث حق المرضى في العلاج، أو تسهيل عمليات وصول المرضى إلى المستشفيات، وتسهيل عمليات تدفق الإرساليات الطبية إلى المستشفيات ومراكز العلاج، أو الحق في الرعاية الصحية.

تحدد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 مجموعة من الواجبات التي على دولة الاحتلال الحربي أن تفي بها لصالح المدنيين الواقعين تحت احتلالها. وتلزم المادة السادسة عشرة من الاتفاقية الأطراف السامية المتعاقدة على أن "يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين". وتلزم المادة السابعة عشرة "أطراف النزاع على إقرار ترتيبات محلية لنقل الجرحى والمرضى والعجزة والمسنين والأطفال والنساء النفاس من المناطق المحاصرة أو المطوقة ...إلخ". وتلزم المادة الحادية والعشرون من الاتفاقية الأطراف السامية المتعاقدة على "احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى ...إلخ". وتلزم المادة الثالثة والعشرون "كل طرف من الأطراف السامية المتعاقدة أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ...إلخ".

من خلال التوثيق الميداني لجمعية (القانون) فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي اقترفت منذ بداية الانتفاضة سلسلة من الانتهاكات لنص وروح هذه المواد من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949، بما في ذلك حرمان المدنيين الفلسطينيين من حقهم في تلقي العلاج. وخلال السنة الثانية للانتفاضة قضى ثمانية وعشرون مواطنا ومواطنة فلسطينياً جراء إعاقتهم على الحواجز، ومنعهم من الوصول إلى المستشفيات في الوقت اللازم، في حين بلغ عددهم في السنة الثانية ثلاثة وعشرين، وبذلك يرتفع عدد ضحايا الإعاقة على الحواجز إلى واحد وخمسين مواطناً ومواطنة منذ بداية الانتفاضة.

ووفق مسح أجراه جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن (45%) من الأطفال الفلسطينيين أصبحوا يعانون من سوء التغذية. وأظهر التقرير السنوي الأخير لوزارة الصحة الفلسطينية أن حالات سوء التغذية انتشرت بمعدل 125,6% مقارنة بعام 2000. وأشارت الوزارة إلى أن نسبة فقر الدم عند المواطنين بشكل عام ازدادت ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الانتفاضة. ويواجه حوالي نصف مليون طفل فلسطيني تحت سن الخامسة أوضاعاً صحية حرجة.

واستناداً إلى توثيق جمعية (القانون) فقد بلغ عدد أيام منع التجوال التي فرضت على مدن ومخيمات وقرى الضفة الغربية منذ بداية الانتفاضة (1453) يوماً موزعة على النحو التالي:
· مدينة نابلس ومخيماتها والقرى الملاصقة لها (126) يوماً، منها مائة يوم بشكل متواصل.
· مدينة طولكرم ومخيميها (100) يوم.
· مدينة جنين ومخيمها (104) أيام، منها (22) يوماً بشكل متواصل.
· طوباس (15 يوماً) منها (12) يوماً بشكل متواصل.
· اليامون (22) يوماً منها عشرة أيام بشكل متواصل.
· عانين (30) يوماً، منها عشرة أيام بشكل متواصل.
· تل (20) يوماً بشكل متواصل.
· حوارة (100) يوم منها (60) يوماً بشكل متواصل.
· باقة الشرقية (56) يوماً منها (41) يوماً بشكل متواصل.
· دير الغصون (82 يوماً) منها (70) يوماً بشكل متواصل.
· الجاروشية (46) يوماً.
· فرعون (82) يوماً منها (76) يوماً بشكل متواصل.
· رام الله والبيرة (91) يوماً منها (23) يوماً.
· الخليل وضواحيها من المناطق الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية (62) يوماًـ منها (20) يوماً بشكل متواصل.
· مدينة الخليل ـ الجزء المحتل (382) يوماً.
· دورا (20) يوماً منها (11) يوماً بشكل متواصل.
· بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور وضواحيها (115) يوماً منها (42) يوماً بشكل متواصل.

وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات الحصار وأعمال التدمير والعقوبات الجماعية الإسرائيلية الأخرى، فقد بلغت منذ بداية الانتفاضة حوالي عشرة مليارات دولار في مختلف المجالات الإنتاجية، ومختلف الخسائر الناتجة عن ارتفاع نسبة البطالة وتدمير الممتلكات العامة والخاصة. واستناداً إلى مصادر رسمية وأهلية مختلفة، فإن خسائر القطاع الصناعي بلغت (920) مليون دولار، والقطاع الزراعي (724) مليون دولار، والقطاع السياحي (5,5) مليون دولار، وقطاع البناء (227) مليون دولار. وبلغت أموال خزينة السلطة الوطنية المحتجزة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي (670) مليون دولار. ووصلت نسبة الأسر الفلسطينية التي أصبحت تعيش تحت خط الفقر حوالي (71%).

جرائم المستوطنين

شهد المجتمع الإسرائيلي بشكل عام، وأوساط المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل خاص، جنوحاً أكثر باتجاه التطرف منذ بداية الانتفاضة. وخلال الانتفاضة شكل المستوطنون مجموعة من التنظيمات الإرهابية المسلحة، وقامت هذه التنظيمات بأعمال إرهابية منظمة ضد المدنيين الفلسطينيين، وضد ممتلكاتهم. ورغم معرفة قوات الاحتلال بها وبتركيبها وهيكلياتها وزعاماًتها، إلا أنها لم تقم بالواجب الذي يمليه عليها القانون الدولي بفرض القانون عليهم، بل إنها كانت تغض الطرف دائما عن هذه الجرائم. وفي حالات كثيرة كانت تشاركهم في اعتداءاتهم. لقد استخدم المستوطنون في الأراضي المحتلة السلاح الناري ضد المدنيين الفلسطينيين في حالات كثيرة، ثم طوروا أساليب اعتداءاتهم بزرع متفجرات في عدد من الممتلكات الفلسطينية، وفي أكثر من مرة، في الجزء المحتل من مدينة الخليل، وذلك بهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين الفلسطينيين، كما واستخدموا وسائل أخرى للقتل كالدهس المتعمد. وقد ذهب ضحية هذه الجرائم سبعة مواطنين، أربعة منهم استشهدوا جراء تعرضهم لأعمال إطلاق نار، وثلاثة قضوا دهساً، بينما استشهد ثلاثة وعشرون مواطناً ومواطنة في السنة الثانية. وبذلك يرتفع عدد المواطنين الذين قضوا على أيدي المستوطنين منذ بداية الانتفاضة إلى ثلاثين مواطناً.

ففي جريمة خطيرة كادت تؤدي إلى وقوع مجزرة حقيقية في صفوف مئات الطلبة الفلسطينيين، كان المستوطنون المتطرفون يقفون وراءها، انفجرت في ساعات صباح يوم الثلاثاء الموافق 17/9/2002، عبوة ناسفة في ساحة مدرسة زيف الأساسية المختلطة، جنوبي مدينة الخليل، في حين لم تنفجر عبوتان أخريان تمكن خبراء متفجرات من قوات الاحتلال من إبطال مفعولهما. وقد وقع الانفجار، الذي أثار حالة من الذعر والهلع في نفوس الطلبة، قبل ثلاثين دقيقة من مغادرتهم غرف التدريس إلى ساحة المدرسة لقضاء فترة الاستراحة الصباحية. واستناداً إلى تحقيقات جمعية (القانون)، ففي حوالي الساعة العاشرة من صباح اليوم المذكور، وبينما كان طلبة مدرسة زيف الأساسية المختلطة متواجدين داخل غرف التدريس، انفجرت عبوة ناسفة في ساحة المدرسة، بالقرب من مشربية البنات، وتطايرت شظاياها في أرجاء الساحة، ودخلت إلى الصفوف المجاورة. وأسفر ذلك عن إصابة تسعة طلاب وطالبات، بالشظايا، وشظايا الزجاج المتطاير. وقد نقلوا بواسطة سيارات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مستشفيي ناصر والاعتماد في بلدة يطا المجاورة. ووصفت المصادر الطبية في المستشفيين إصاباتهم بأنها طفيفة.



الصفحة الرئيسة